البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    

 
  القضايا
  اقترح قضية للحوار
  أرشيف القضايا
  أصول الحوار وآدابه
 
الصفحة الرئيسة » قضية وحوار » أصول الحوار وآدابه » الشروط الهامة للحوار
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
الشروط الهامة للحوار

إذا أردنا للمحاورة أن تنجح وتحقق أهدافها، فلا بد أن تتوافر فيها مجموعة من الشروط والضوابط.. والمتتبع لآليات الحوار وعناصره الأساسية يجد أن هناك شروطاً تتعلق بعملية المحاورة نفسها، وشروطاً أخرى تتعلق بالمحاور الذي يباشر عملية الحوار، وسنتعرض هنا لهذه الشروط.
شروط المحاورة:
يشترط في المحاورة ما يأتي: 

1- استخدام اللغة القوية:
نظراً لأن المحاورة هي محاولة لإقناع الطرف (الآخر) بوجهة نظر معينة، فإن ذلك يتطلب استخدام لغة قوية عن طريق وضوح الألفاظ، وترتيب الأفكار، وتسلسل المقدمات، وصولاً إلى النتائج المرجوة.
ومن هنا فإن المحاورة تتطلب ضرورة استخدام أقل الكلمات المعدّة إعداداً دقيقاً للتعبير عن الفكرة وبيان الحقيقة، كما أن من الضرورة اصطفاء أفضل الألفاظ وأكثرها وقعاً في النفس وتأثيراً على المحاور.
وإذا استخدم المحاور اللغة الواضحة فإن ذلك سيوصله إلى الكلام الحسن الذي يخدم الحقيقة دون لبس ولا غموض، وقد أوصى الحكماء بأن لا ينطق الإنسـان إلا بما يفيده أو يفيد الآخرين، أو أن يمتنع عن الكلام، كما أن كتب التراث زاخرة بالحكم والأمثال المتعلقة بضبط الكلام والتحكم به، فقد جاء في الأمثال:
«من نطق في غير خير فقد لغا، ومن نظر في غير اعتبار فقد لها، ومن سكت في غير فكر فقد سـها».
«الكلام كالدواء، إن أَقْلَلَت منه نفع، وإن أكثرت منه صدع».
«من كثر كلامه كثر سقـَطه، ومن كثر سقـَطه قَلّ حياؤه، ومن قل حياؤه قل وَرَعُه، ومن قَلّ ورعه مات قلبه».
«صد اللسان إلا في أربعة : في الحق توضحه، وفي الباطل تدحضه، وفي النعمة تشكرها، وفي الحكمة تظهرها».

2- اختيار الأسلوب الأمثل:
هناك طريقتان للحوار الفكري في جميع مجالاته، فهناك طريقة العنف التي تعتمد مواجهة المحاور بأشد الكلمات وأقسى العبارات، بحيث يتم التركيز على كل ما يساهم في إيلامه وإهانته، دون مراعاة لمشاعره وأحاسيسه، ولا شك أن هذه الطريقة إنما تنتج المزيد من الحقد والعداوة والبغضاء، وتبعد عن الأجواء التي تساهم في الوصول إلى النتائج الطيبة.
وهناك طريقة أخرى تعتمد اللين والمحبة، وتعتبر الحوار وسيلة للوصول إلى الهدف، وهذه الطريقة تعتمد الكلمات الطيبة المرنة التي تقرّب الأفكار وتعمل على توحيد المفاهيم بعيداً عن العنف والشدة.
وقد ركـّز الإسـلام على الطريقة الثانية في جميع أساليب الحوار من أجل الوصول إلى المعرفة، وأطلق على هذا الأسلوب مصطلح: «التي هي أحسن» ليكون طابع الحوارات الإسلامية في كل المجالات، وذلك في قولـه تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ)) (فصلت:33) وفي قولـه تعالى: ((ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ)) (النحل:125) ولا شك أن الجـدال بالتي هي أحسن إنما يتمثل في اتباع أفضل الأساليب وأحسنها في إقناع الطرف الآخر بالفكرة التي يدور حولها الحوار.

3- احترام التخصص:
من شروط المحاورة احترام التخصص وعدم التحاور في موضوعات ليس لها علاقة بفكر المحاور واهتماماته.. والواقع أن هذا شرط يتسع ليشمل جميع وسائل المعرفة ولا يقتصر على الحوار فحسب.. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْرَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي فَرَسَيْنِ نَسْتَبِقُ إِلَى ثُغْرَةِ ثَنِيَّةٍ، فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ: تَعَالَ حَتَّى أَحْكُمَ أَنَا وَأَنْتَ.. قَالَ فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ظَبْيٍ حَتَّى دَعَا رَجُلاً يَحْكُمُ مَعَهُ ! فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ الرَّجُلِ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ: هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ : لاَ، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي حَكَمَ مَعِي؟ فَقَالَ: لاَ.. فَقَالَ: لَوْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّكَ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ لأَوْجَعْتُكَ ضَرْبًا.. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ((يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ)) وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ .. فنحن نرى أن عمر بن الخطاب تعامل مع هذا الحكم بطريقة علمية تخصصية، ولكن السائل لم يستطع إدراك الموقف وتفهمّه لعدم تخصصه، ولذلك دعاه عمر إلى احترام التخصص واستكمال عدة العلم قبل أن يعترض على الطرف الآخر في المحاورة، ويؤيد هذا ما روي أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خطب الناس فقال:
من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أُبيَّ بن كعب.
ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل.
ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت.
ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإني له خازن.
وفي هذا دعوة إلى اعتماد التخصص في جميع الفنون والعلوم، لأنه ينتج التحري الدقيق عن المعرفة، والتحقق من الفكرة، والوثوق من الهدف، وكل ذلك عامل من عوامل نجاح الحوار وموضوعيته.

4- طلب الحق بتجرد عن العاطفة:
وهذا يعني أن مجرد الادعاء لا يحقق الغرض المطلوب للوصول إلى الحقيقة، وأن الحماس للفكرة ظاهرة صحية، ولكنه لا يكفي وحده للوصول إلى عقول الناس وقلوبهم، بل لا بد من أن يُطلب الحق بتجرد عن الحماس والعاطفة، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: تخاصم أهل الأديان فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم وقال: ((لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ... )) ، وخيَّر بين الأديان فقال: ((وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرٰهِيمَ خَلِيلاً)) (النساء:123- 125) .
وقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معـدودات، وتعني هـذه الآيات أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ((لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ)) أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده: ((مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ)) كقوله: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)) .
وهكذا فإنه يجب أن يكون الحـوار في مسائل الدين بالقدر الذي يساعد على إحقاق الحق في موضوع النـزاع، فإذا انحرفت بالحوار أهواء قوم لا يريدون إلا كسب الوقت وإضاعة الجهد فنحن مأمورون بقفل النقاش احتراماً لعقولنا أن تشغل بما ليس نافعاً، واحتراماً للحق الذي يقتضي البعد عن المراء والجدل العقيم.
هذه هي أبرز شـروط المحاورة التي أمكننا استخلاصها من خلال متابعة طبيعة الحوار وضوابطه، والتي يجب أن تتوفر لتكون المحاورة محققة للأهداف المرجوة منها في الوصول إلى الحقيقة.

وهناك شروط أخرى ذكرها الدكتور جمال شلبي في رسالته: «آداب البحث والمناظرة»، حيث قال : يشترط في المناظرة أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون المتناظران على معرفة تامة بما يحتاج إليه كل منهما من قوانين المناظرة وقواعدها حول الموضوع الذي يريدان المناظرة فيه.
الشرط الثاني : أن يكون المتناظران على معرفة بالموضوع الذي يتناظران فيه، حتى يتمكن كل واحد منهما من الإحاطة بعناصر القضية بكل جوانبها، فإذا تكلم لم يخبط خبط عشواء ولم يناقش في البديهيات بغير علم، وإذا ألزم بالحق التزم به من غير مكابرة.
الشرط الثالث : أن يكون موضوع المناظرة مما يجوز أن يجري فيه التناظر وتختلف فيه وجهات النظر، فالمفردات والبديهيات الجلية لا تجرى فيها المناظرة أصلاً.
الشرط الرابع : أن يجري المتناظران مناظرتهما على عرف واحد ومصطلح متفق عليه، فإذا كان كلام أحدهما جارياً على عرف الفقهاء مثلاً فلا يجوز أن يكون كلام الطرف الآخر جارياً على عرف النحاة، لأن المناظرة في هذه الحالة لا يكون فيها قاسم مشترك يجمع الطرفين ويحرر محل النـزاع.

شروط المحاور:
أما المحاور فلا بد أن تتوفر فيه الشروط التالية:
1- أن يتخلى عن النرجسية والأنانية، لأن لجوء المحاور إلى رؤية الآخرين بمنظار معتم أو ضيق، أو تجاهل رؤيتهم أحياناً من خلال عدم الاعتراف بمهارتهم الفكرية إنما هي سياسة نرجسية ذميمة لابد من التخلي عنها، ولا شك أن هذا المنظار الضيق يؤدي إلى ضعف الحوار واختناق مسيرته وغياب السجال والنقاش العلمي عن واقعنا الفكري.
إن ضوابط الحوار تقتضي وجوب التخلي عن النرجسية لأنها مرض نفسي غير مرغوب فيه، كما أن من الضرورة أن يتخلى أطراف الحوار عن مبدأ تعظيم (الأنا) أو تضخيم الذات، ليكون الحـوار علمياً وفعالاً، لأن الذاتية والنرجـسية سياسة غير مجدية، وليس هناك سـبب منطقي يبرر اعتناقها من قبل فرد يحترم إنسانيته وشخصيته ويحترم شخصيات الآخرين.
2- أن يكون المحاور صاحب نظر وتفكير مستقل، بحيث لا يكون مقلّداً لغيره، وفي هذا يقول الإمام الغزالي: «أن يكون اعتماده في علومه على بصـيرته، وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما يسمعه من غيره... فلا يسمى عالماً إذا كان شأنه الحفظ من غير إطلاع على الحِكم والأسرار» .
فالغزالي يعبر بهذا عن وجهة النظر الصحيحة في الفكر الإسلامي للتعامل مع الطـروحات الفكرية، لأن تفاوت الأحكام عند عدم وجود النصوص أمر لا ينبغي التخوف منه، بل من حقنا أن نستمد منه حرية عقلية وفكرية مطلقة، ذلك أن الحكم الثابت بالنص لا مجال فيه للفكر والاجتهاد ولا مكان معه لحرية الرأي، وإنما تتعدد الآراء وتتباين الطروحات في الميادين السياسية والاقتصادية وأنواع المعاملات الأخرى التي أسهم فيها العقل البشري بحظ وافر.
3- أن يكون المحاور سريع البديهة، فإن من حسن المحاورة أن يكون المحاور ذواقاً للكلام، مدركاً لأبعاده، متجاوباً مع العواطف؛ لأن عدم التجاوب السريع مع الطرف الآخر قد يفوّت عليه الكثير من المعلومات التي ينبغي أن يتوقف عندها ويعالجها بلباقة وحنكة.
4- أن يحسن المحاور الاستشهاد بآيات القرآن الكريم في الموضوعات الشرعية بحيث تتوفر لديه القدرة على فهم آيات القرآن وأحاديث النبي  صلى الله عليه وسلم  فإن ذلك مما يعينه على ظهور الحق، خاصة فيما يتعلق بمحاورة غير المسلمين.
يقول الدكتور عناية الله: خرجت يوم الأحد من أيام سـنة 1909م، وكانت السماء تمطر بغزارة، فإذا بي أرى الفلكي المشهور السير جيمس جينز - الأستاذ بجامعة كمبردج - ذاهباً إلى الكنيسة، والإنجيل والمظلة تحت إبطه، فدنوت منه وسلّمت عليه فلم يرد علي، فسلّمت عليه ثانية فلم يرد علي، ثم سلّمت عليه مرة أخرى، فسألني: ما ذا تريد مني ؟
فقلت له: أمرين!
الأول: هو أن مظلتك تحت إبطك رغم شدة المطر، فابتسـم وفتح مظلته على الفور.
وأما الأمر الآخر: فهو ما الذي يدفع رجلاً ذائع الصيت في العلم مثلك أن يتوجه إلى الكنيسة ؟
وأمام هذا السؤال توقف السير جيمس لحظة ثم قال:
أدعوك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي، فلما دخلت غرفته وجدته منهمكاً في أفكاره، فبادرني: ماذا كان سؤالك ؟
ودون أن ينتظر ردي بدأ يلقي محاضرة عن الأجرام السماوية ونظامها المدهش ومداراتها وجاذبيتها حتى أنني شعرت بنفسـي تهتز من هيبة الله وجلاله، وأما السير جيمس فوجدت شعر رأسه قائماً والدموع تنهمر من عينيه ويداه ترتعدان من خشية الله، ثم توقف فجأة، وبدأ يقول:
يا عناية الله! عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي، وعندما أركع أمام الله وأقول له: «إنك لعظيم» أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكينة وسعادة عظيمتين، أفهمت يا عناية الله لِمَ أذهب إلى الكنيسة؟
يقول الدكتور عناية الله: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفاناً في عقلي، وقلت له لقد تأثرت جداً بالتفاصيل التي رويتموها لي، وتذكرت بهذه المناسبة آية من كتابي المقدس، فلو سمحتم لي بقراءتها، فهزّ رأسه قائلاً: بكل سرور، فقرأت عليه قوله تعالى: ((وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَابّ وَٱلاْنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء)) (فاطر:27-28) فصرخ السير جيمس قائلاً: ماذا قلت؟ إنما يخشى الله من عباده العلماء، مدهش وغريب جداً!! إن الأمر الذي حدثتك عنه كان نتيجة دراسـة اسـتمرت أكثر من خمسين عاماً، من أنبأ محمداً به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقـيقة؟ لو كان الأمر كذلك فاكتب مني شهادة أن القرآن كتاب موحى به من عند الله. 
لقد تمكن الدكتور عناية الله من مجاراة محاوره الذي كان يتمتع بمكانة علمية في تخصصه بفضل حسـن استشهاده بالنص القرآني الذي استخدمه في موطنه، ليكون بذلك على درجة المساواة مع محاوره، بل ربما تفوق عليه وجعله يؤمن بأحقية دينه وصدق كتابه.
5- أن يحاور من يتوقع الاستفادة منه ممن هو مشتغل بالعلم؛ لأن محاورة الجهلاء توقع المحاور في متاهات الجهل وتشغله عن مصادر المعرفة، كما أن محاورة المغترين بالعلم الذين يريدون الظهور والبروز تقضي على الموضوعية العلمية فتنقلب المحاورة إلى استعراض للقدرات ومهاترات بعيدة عن الحق.
ويعيب الإمام الغزالي على قوم لا خلاق لهم في المحاورة فيقول: «اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله».
آداب الحوار:
الحوار ظاهرة إنسانية مرتبطة بوحي العقل وإلهامه، وراجعة في نشأتها إلى طبيعة الإنسان المفكرة الناطقة، فهو يؤمن بفكرة معينة فيعرضها ويوضح أهدافها ويدافع عنها، فإذا خالفه في الرأي أحد ما من البشر استجمع أفكاره وقدّمها عن طريق حوار يبعث إلى إشغال الذهن وإعمال الفكر ليضيف إلى عقولنا معلومات جديدة، وليفتح أمام أهل العلم آفاقاً واسعة في المعرفة.
وإذا أردنا للحـوار أن يبقى عذباً رقيقاً، بعـيداً عن التنكيل والمهاترة، فلا بد أن يرتبط بمجموعـة من الآداب الفاضـلة والأخـلاق النبيلة من أجل أن يبقى الفكر متقداً والعطاء موصـولاً.. وسنعرض هنا لأبرز وأهم آداب الحوار وأخلاقه:

1- عفة اللسان والقلم:
من أدب الحديث أن لا يتجاوز المتكلم في مدح ولا يسرف في ذم، ومن هنا فإن على المحاور أن لا يبالغ في الذم فهـو طريق الشـر والرذيلة، ولا يسرف في المديح والثناء لأن المبالغة فيه ملق ومهانة.
إن من أقبح الصـفات أن يتنـزل العلماء في حوارهم إلى جارح اللفظ وسيئ العبارة، معللين ذلك بضيق الصدر ونفاذ الصبر، فقد قِيلَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ.. قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً»، كما قال  صلى الله عليه وسلم : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
والمتتبع للحوارات التي يزخر بها تراثنا يدرك الأدب الرائع بين المتحاورين في أدق قضايا الإسلام وأحكامه، ويطلع على النماذج المشرقة التي حواها ذلك التراث الفكري والمعرفي، ولعل أبرز دليل على ذلك الحوار الرائع الذي جرى بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعدد من صحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  حول توزيع الأراضي على المقاتلين، فقد كان موضوع الحوار منصباً على تفسير آيات عديدة من القرآن الكريـم، ومع ذلك لم يشتد عمر في كلمة، ولم يعنف أحداً في عبارة، وإنما تبادل الجميع الرأي بالرأي والحجة بالحجة حتى اقتنع الجميع برأيه وقالوا: نِعْم ما قلت وما رأيت.
ومن النماذج الحـوارية الفاضلة الحـوار المكتوب الذي تم تبادله بين عالميـن جليلين من علماء الأمة هما: إمـام دار الهجرة مالك بن أنس، رحمه الله، وإمام مصر وعالمها الكبير الليث بن سـعد، رحمه الله، فعـلى الرغم مما اشتملت عليه تلك الرسالتان من عرض لمسائل وأحكام عديدة فقد جاءتا آية مشرقة من آيات الحوار الراقي العفيف الذي نحن بحاجة إلى مثله في هذه الأيام، وسنعرض لبعض ذلك الحوار.
يقول الإمام مالك، رحمه الله: واعلم - رحمك الله - بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة لما عليه الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في أمانتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك، حقيق بأن تخاف على نفسك.. فانظر رحمك الله فيما كتبت لك، واعلم أني أرجو أن لا يكون قد دعاني إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله وحده والنظر لك، فأنزل كتابي منزلته، فإنك تعلم «أني لم آلك نصحاً».
ويجيب الإمام الليث عن هذه الألفاظ والمعاني الطيبة بمثلها قائلاً: قد أصبت بالذي كتبت به من ذلك، ووقع مني بالموقع الذي تحب.. ثم يقول: وقد بلغنا عنكم شيء من الفتيا، وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم تجبني، فتخـوفت أن تكون استثقلت ذلك فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكرت... ثم يبين الإمام الليث أنه ثابت على رأيه مخالف في ذلك رأي الإمام مالك في العديد من المسائل والآراء دون مجاملة أو مداراة على حساب الحق، ثم يختم كتابه بقوله: وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وإن نأت الديار فهذه منـزلتك عندي ورأيك فيه فاستيقنه، ولا تترك الكتابة إليّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك وحاجة إن كانت لك أو لأحد يوصل بك فإني أسر بذلك. 
إن هذه النمـاذج الحوارية الرائعـة تدعو الناس إلى أن يرجعوا إلى أدب الإسلام في الحـوار بدل أن يُنَصّب بعـض الناس أنفسهم أوصياء على الأمة وعقولها وتفكيـرها، فيتهمـون هـذا ويفسّقـون ذاك، ويشيعون الخوف من المشـاركة في الفـكر وإبداء الرأي، حتى توقـف العلماء عن الخوض في كثيـر مما يحتاج إليه الناس من اجتهاد، وأقفلت بسبب ذلك أبواب الحوار بالتي هي أحسن لتفتح بدلاً عنها أبواب الصراع والشغب والمشاجرة.

2- حسن الصمت والإصغاء :
الصمت هو السـكوت بعد الكلام وتقديم الفكرة، أما الإصغاء فهو الاستماع، ولكي يتحـقق حسن الصمت والإصغاء في المحاورة فإن ذلك يتطلب عدة أمور هي: السـكوت، والانتباه، وعدم مقاطعة الطرف الآخر، والتأمـل والربط والمقارنة.. وسنبين أهمية كل من الصمت والإصغاء. 
- الصمت:
الصمت بالنسبة للحوار ليس موقفاً سلبياً، وإنما هو إجراء إيجابي يمثل خطوة نحو الكلام الصائب، وفي هذا تقول العرب: «إذا أردت أن تقول الصواب في اللحظة المناسبة فعليك أن تسكت أغلب الوقت»، كما أن الصمت غالباً ما يكون طريقاً إلى العلم والحلم، يقول أحد الحكماء: «إذا جالست العلماء فأنصت لهم، وإذا جالست الجهّال فأنصت لهم أيضاً، فإن في إنصاتك للعلماء زيادة في العلم، وفي إنصاتك للجهّال زيادة في الحلم».
- الإصغاء:
كما أن الإصغاء أدب رفيع وخلق حسن يوصل إلى الفهم والتفهم، فإن من حسن الأدب أن لا تغالب أحداً على كلام، وإذا سئل غيرك فلا تجب عنه، وإذا حدّث بحديث فلا تنازعه إياه ولا تقتحم عليه فيه. وقد جاء في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، قال أحد الحكماء لابنه: «يا بني: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث، وليعلم الناس أنك أحرص على أن تسمع منك على أن تقول».
ومن هنا يتضح أن حسن الصمت والإصغاء دليل على احترام الآخرين وعدم الانتقاص منهم، وهو أدب رفيع من آداب الحوار والمناظرة.

3- التواضـع:
التواضع أدب من آداب العلماء، وصفة من صفاتهم الكريمة، ولأن الحوار مهنة العلماء وصنعتهم فلا بد أن يتصف المتحاورون بالتواضع الذي يفتح الطريق أمام الطرف (الآخر) ويتيح له المجال لإبداء الرأي والفكرة، يقول الزمخشري: «ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاءً له في علمه، وتنبيهاً له أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفاً له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة».
ويتحقق التواضع بعدم الثناء على النفس، وفي هذا يقول الله تعالى: ((فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ)) (النجم:32)، جاء في إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: قيل لحكيم ما الصدق القبيح ؟ قال: ثناء المرء على نفسه، ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه بالقوة والغلبة والتقدم بالفضل على الأقران، ولا ينفك في أثناء المناظرة عن قوله: لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور، وأنا المتفنن في العلوم كلها والمستقل بالأصول وحفظ الأحاديث وغير ذلك، مما يتمدّح به تارة على سـبيل الصلف، وتارة للحاجة إلى ترويج كلامه، ومعلوم أن الصلف والتمدّح مذمومان شرعاً وعقلاً. فالغزالي يعتبر أن هذه الأساليب نوع من أنواع الكبر والغرور، وهي منافية للتواضع الذي يجب أن يتصف به العلماء وأهل الفكر.
إن من الحكمة في الحوار أن يتجنب المحاور الحديث عن نفسه، أو عن أولاده، أو عن أعماله وإنجازاته، أو عن الدعوات التي تلقاها ورفضها؛ لأن شر المتحدثين من آثر الحديث عن أحواله وأكثر الكلام عن نفسه، فإن فعل ذلك فإنه يفقد شرط الحوار الناجح.

4- احترام شخصية المحاور:
ويتم احترام شخصية المحاور من خلال الأمور التالية:
أ- اهتمـام المحاور بالطرف (الآخر) اهتماماً ودياً بالانتباه لكلامه، وعدم اللجـوء إلى تجاهله أو الشـرود والانشـغال عنه بشـخص آخر أو بموضوع آخر.
ب- تحاشي تحقـير الطرف (الآخر)، أو اللجوء إلى النقد الشخصي فيما يخص سيرته الفردية أو العائلية، وتجنب استخدام اليد دفعاً أو تهديداً.
ج- فسح المجال أمام الطرف (الآخر) للدفاع عن وجهة نظره كاملة، والتعامل مع طروحاته بصـدر رحب عن طريق إتاحة الوقت الكافي لعرضها وبيانها.
وبهذا يكون من أدب الحوار احترام آدمية الإنسان وإنسانيته، بغض النظر عن الاختلاف في الرأي والتباين في الفكرة والتباعد في وجهات النظر.

5- الحوار بهدوء وروية:
لأن الانفعال والتوتر النفسي في الحوار يعني بالنتيجة فشل المحاورة وعدم الإفادة منها، فلا داعي للاستمرار فيها، بل إن ضرر الحوار الذي يسوده الانفعال يكون أكثر من نفعه.
وهذا يعني أن يكون الحوار مبنياً على المرونة والتسامح، فقد يكون المحاور على خطأ في الفكرة أو المعلومة التي يطرحها ولكن المرونة والهدوء يعملان على استمرار الحوار واستكمال موضوعاته، أما التوتر والتعصب فهي حالات لاتشجع على الحوار ولا تخدم أهدافه، وإذا جـرى الحوار في ظل تلك الأجواء فمصيره إلى الإخفاق والفشل.
ولتحقيق ذلك ينبغي على المحـاور أن يكون صوته هادئاً دون ارتفاع أو صراخ حتى لا ينقلب الحوار إلى مهاترات كلامية عقيمة.

6- الحوار بمودة واحترام :
فقد روى أبو هريرة عن رسـول الله  صلى الله عليه وسلم  أنه قـال: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» كما أن الذي يأتـي للحـوار والمناظرة إنما يأتي ليقنع أو يقتنع، ولم يأت للاحتراب أو الاعـتداء، وكلما أبدى المحاور مودة أكثر واحتراماً أعمـق للطرف (الآخر) كان اسـتمرار الحـوار أكثر نفعاً وفائدة.
ومن ضوابط الحـوار الذي يقوم على المودة والاحترام أن يتجنب كل منهما السخرية والاستهزاء وكل ما يشعر باحتقار المحاور وازدرائه لصاحبه، أو وصمه بالجهل أو قلة الفهم.
بعد هذا كله نقول: إن مراعاة هذه الآداب والأخلاق أثناء الحوار يضمن حواراً علمياً رزيناً بعـيداً عن المهاترات الكلامية، والألفاظ البذيئة، والأساليب القبيحة التي تؤدي بالنهاية إلى فشل الحوار وانعدام أهدافه.


عدد مرات القراءة (12417) عدد مرات التحميل (0) عدد مرات الإرسال (0)

0 ( 0 )
ملفات مرتبطة
عفوًا، لا توجد ملفات مرفقة
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: