البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
ملتقى الخطباء
الصفحة الرئيسة » ملتقى الخطباء » خطب الحرمين » وميض من الحرم خطب ومواعظ من المسجد الحرام
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
وميض من الحرم خطب ومواعظ من المسجد الحرام
الشيخ/ سعود بن إبراهيم بن محمد الشريم

إذا غاب الإحسان
الخطبة الأولى

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، لم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له كفوا أحد.
وأصلي وأسلم على أفضل المصطفين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تعبَّد.

أما بعد:

فيا أيها الناس: إن الوقوف الدقيق عند حديث رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- المنبعث من مشكاة النبوة، ليحمل النفس المؤمنة على أن تعرف أسراره، و تستضيء بأنواره، فلا ينفك يشرح للنفس ويهديها بهديه، فتؤمن بالنبي المصطفى والرسول المجتبى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وتتبع النور الذي أنزل معه، وكلما ذكر كلام المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فكأنما قيل من فمه للتو. كلام صريح، لا فلسفة فيه، يجعل ما بين المرء وصنوه من النية، كما بين الإنسان وربه، من الخوف والمراقبة، كلام يقرر أن حقيقة المسلم العالية، لن تكون فيما ينال من لذته، ولا فيما ينجح من أغراضه، ولا فيما يقنعه من منطقه، ولا فيما يلوح من خياله؛ بل هو السمو الروحي الذي يغلب على الأثرة، فيسميه الناس برا، والرحمة؛ التي تغلب على الشهوة، فيسميها الناس عفة، والقناعة التي تغلب على الطمع فيسميها الناس أمانة.

عباد الله .. إن تنشئة النفس المؤمنة على البر والتقوى والعفة والأمانة والخوف والمراقبة، هي وحدها الطريقة العملية الممكنة، لحل معضلة الشر والانحراف لدى المجتمع المسلم. أرأيتم الطفل، كيف يشب على الخُلق الكريم والنهج القويم، لو تعهده القيّم بالتوجيه والتقويم. وعلى العكس من ذلك، لو أهمل أمره، وتركه في مهب الريح، فإنه ينشأ شِرِّيرا، خطرا على نفسه ومجتمعه، ذلكم يا عباد الله أبرز مثل للنفس، حين ينشأ الفرد على مراقبة الله والخوف منه.

عباد الله .. لقد ثبت في صحيح مسلم أن جبريل ـ عليه السلام ـ سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإحسان، فقال له المصطفى  : ) أن تعبد الله، كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك (.

الله أكبر! إنه تعبير عجيب، تعبير يحمل في اختصاره حقيقة هائلة، وخلة مذهلة. إنها كلمات تحمل في طياتها قاعدة كبيرة، يقيم عليها الإسلام بناءه، هي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قاعدة يقيم عليها نظمه كلها، وتشريعاته وتوجيهاته طرا، نظام القضاء، نظام الاقتصاد، نظام السياسة، نظام الأسرة، موقف الفرد من المجتمع، وموقف المجتمع من الفرد، نظام المجتمع بأسره، بل نظام الحياة كلها، تعبد الله كأنك تراه.

فالمرء المسلم، في مواجهة خالقه ومولاه، المستعلي على جميع المخلوقات، في مواجهة مولاه بنفسه جميعا، بكل جوارحه وكل خلجاته، بظاهرها وباطنها، بأسرارها وما هو أخفى من الأسرار: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ [غافر:19].

سبحان الله! حتى خائنة الأعين، الخائنة التي يظن الإنسان أنه وحده الذي يحسها ويعرفها، دون أن يراها أحد من الناس أو يفهمها وحتى السر، بل وما هو أخفى من السر، الخطرات التائهة في مسارب النفس، لا تصل إلى ظاهر الفكر، ولا يتحرك بها اللسان للتعبير، إنه لا ستر إذن ولا استخفاء ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]. وكل هذه مكشوفة لله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وإنه لخير لك ـ أيها المسلم ـ أن تعبد الله كأنك تراه، خير لك أن تتوجه إلى حيث يرقبك خالقك فتأمن المفاجأة.

إنها الرهبة في الحالين، رهبة  مصحوبة بالأمل، حال كونك متوجها إلى الله، مخلصا له قلبك عاملا على رضاه.

ورهبة مصحوبة بالذعر، حال كونك متوجها بعيدا عنه، وهو من ورائك محيط فخير لك إذاً أن تعبد الله كأنك تراه .

أيها المسلمون، قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في تفسير الإحسان، يشير إلى أن العبد، يعبد الله على هذه الصفة وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، لأنه يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، وذلك أفضل الإيمان، كما ثبت عنه  ، أنه قال: ) أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت ( [رواه الطبراني].

وبه تفوز بوعد الله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عند مسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله ـ عز وجل ـ في الجنة، وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان؛ لأن الإحسان: هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا، على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك، النظر إلى الله عيانا  في الآخرة. وعكس هذا، ما أخبر به ـ تعالى ـ، عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الران على قلوبهم  حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة.

إن الإحسان على ما فسره به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينبغي أن يتجلى في الأمة بعامة، وفي كل شأن من شؤونها.

فالقاضي المسلم لا يظن فيه الظلم والجور، حين يرقب الله كأنه يراه !! ولا يجوز له أن يضع نزواته وهواه في مكان العدل، الذي يطلبه منه رقيبه ومولاه؛ بل كيف تتجه نفسه إلى البطش والغمط؟ ومن يرقبه يقول له: ﴿ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة:8] ويقول له: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء:58].

إن القاضي المسلم، إذا لم يعبد الله كأنه يراه، فهو للدنيا أحب، وللزلل أقرب، ولربما اقتطع أموال اليتامى والأرامل، وأموال الوقف والفقراء والمساكين، فأكل الحرام وأطعم الحرام، وكثر الداعي عليه، فالويل ثم الويل لمن أورثه قضاؤه هذه الأخلاق. وصدق رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: ) فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة ( [رواه البخاري].

وكان يزيد بن عبد الله من قضاة العدل والصلاح، وكان يقول: (من أحب المال والشرف وخاف الدوائر لم يعدل فيها). إذاً خير لك أيها القاضي المسلم، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

أيها الناس، إن الإحسان بهذا المفهوم يُمكِّن للزوج وزوجته أن يتعاشرا بالمعروف وأن يصون كل واحد منهما عرضه في غيبة الآخر، ومطارق الخوف من الله ومراقبته تذكرهم بقوله ـ تعالى ـ عن يوسف ـ عليه السلام ـ: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلاْبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف:23].

لقد اجتمع ليوسف ـ عليه السلام ـ من الدواعي لإتيان الفاحشة الشيء الكثير، فلقد كان شابا وفي الشباب ما فيه، وقد غلقت الأبواب وهي ربة الدار وتعلم بوقت الإمكان وعدم الإمكان، فكان ماذا؟ قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون  [سورة يوسف :23] استعاذة، وتنزه واستقباح لماذا؟ وما هو السبب؟ لأنه يعبد الله كأنه يراه، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ) سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ( [متفق عليه].

 لمتابعة المزيد حمل الملفات المرفقة...


عدد مرات القراءة (11997) عدد مرات التحميل (3275) عدد مرات الإرسال (0)

3.9 ( 40 )
ملفات مرتبطة

وميض من الحرم خطب ومواعظ من المسجد الحرام

01_وميض من الحرم خطب ومواعظ من المسجد الحرام

02_وميض من الحرم خطب ومواعظ من المسجد الحرام

03_وميض من الحرم خطب ومواعظ من المسجد الحرام
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: