البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » الآداب الشرعية » آداب النزهة والسفر
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
آداب النزهة والسفر
إعداد الفريق العلمي

إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:

فما أكثر ما يسافر الناس لشؤون حياتهم! مادية أو معنوية، ولقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات ومرات، إبّان شبابه قبل البعثة، وبعد نبوته ما بين حج وعمرة، وجهاد وتجارة.

السفر بين المدح والذم:
السفر معترى بحالتين اثنتين: حالة مدح وحالة ذم، وذلك مبني على أمور في السفر، كالتالي:

السفر من جهة المدح:
فالسفر ممدوح لما فيه الخروج من الملل والسآمة والضيق والكآبة من الناس والمكان للتأمل في خلق الله، أو طلب علم نافع، أو صلة قريب أو أخ في الله. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ) سافروا تصحوا وتغنموا (.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِنَّمَا هَذَا دَلالَةٌ لاَ حَتْمٌ أَنْ يُسَافِرَ لِطَلَبِ صِحَّةٍ وَرِزْقٍ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ بِالنِّكَاحِ حَتْمًا وَفِي كُلِّ الْحَتْمِ مِنَ اللَّهِ الرُّشْدُ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الأَمْرُ كُلُّهُ عَلَى الإبَاحَةِ وَالدَّلالَةِ عَلَى الرُّشْدِ حَتَّى تُوجَدَ الدَّلالَةُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالأَمْرِ الْحَتْمُ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مُحَرَّمٌ حَتَّى تُوجَدَ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ عَلَى غَيْرِ التَّحْرِيمِ».
ومما عزي للشافعي:

تغرب عن الأوطان في طلب العلا

 وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج هم واكتساب معيشة

وعلم وآداب وصحبة ماجد

فإن قيل: في الأسفار ذل وخسة

وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد

فموت الفتى خير له من حياته

بدار هوان بين واش وحاسد

 السفر من جهة الذم:
فالسفر مذموم من جهة كونه محلا للمشاق والمتاعب؛ لأن القلب يكون مشوشًا، والفكر مشغولا من أجل فراق الأهل والأحباب؛ ولذا قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ) السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ (.
قال الشيخ أبو بكر: «صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه السفر، وما زال صادقًا مصدوقًا فإن المسافر يقاسي من الأهوال ومشقة الحل والترحال ومعاناة النصب وشدة التعب والسير مع الخوف في الليل البهيم ما يستحق وصفه بأنه العذاب الأليم».
والمراد بالعذاب هنا الألم الناشئ عن المشقة، لما يحصل في الركوب والسير من ترك المألوف. ولقد ذهب بعض أهل العلم كالخطابي وغيره، إلى أن تغريب الزاني، إنما هو من باب الأمر بتعذيبه - والسفر من جملة العذاب - ولقد سئل إمام الحرمين: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فرقة الأحباب.

نعمة السفر في العصر الحديث:
إن السفر في العصر الحديث، يختلف عن السفر في قرون مضت، فقد مهدت الطرق، وجرت عليها العربات الآلية بشتى أنواعها المبدعة، فهي تسير بهم على الأرض إن شاءوا، أو تقلّهم الطائرات السابحة في الهواء إن رغبوا، أو تحملهم الفلك المواخر في البحر إن أرادوا، كما أن الأزمنة قد تقاصرت، فما كان يتم في شهور بشق الأنفس، أضحى يتم في أيام قصيرة بل ساعات قليلة، وبجهود محدودة، بل وربما عطس رجل في المشرق فشمته آخر في المغرب، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم من أن تقارب الزمان من علامات الساعة كما عند البخاري في صحيحه.
ومع هذه الراحة الميسرة فإن الأخطار المبثوثة هنا وهناك لم تنعدم، ففي الجو يركب المرء طائرة يمتطي بها سرج الهواء، معلقا بين السماء والأرض، بين مساومة الموت ومداعبة الهلاك، فوق صفيحة مائجة، قد يكون مصيره معلقا بأمر الله في خلخلة مسمار، أو إعطاب محرك، مما يؤكد الاحتماء بالله، وارتقاب لطفه المترجم بلزوم آداب السفر، والبعد عن معصية الله في هوائه بين سمائه وأرضه، والمستلزمة وجوبا إقصاء المنكرات من الطائرات، والتزام الملاحين والملاحات بالحشمة والعفاف والبعد عما يثير اللحظ أو يستدعي إرسال الطرف.
وإن تعجب - أيها المسلم -، فعجب ما يفعله مشركو زمان النبي صلى الله عليه وسلم من اللجوء إلى الله في الضراء: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وبعض عصاة زماننا سراؤهم وضراؤهم على حد سواء، فقبح الله أقواما مشركو زمان النبي أعلم بلا إله إلا الله منهم.
إن التقارب في الزمان والمكان بما هيأ الله من أسباب السرعة، لهو نعمة عظيمة، تستوجب الشكر للخالق والفرار إليه، في مقابل التذكر، فيما فعله الله - جل وعلا - بقوم سبأ الذين كانوا في نعمة وغبطة، من تواصل القرى، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾ [سبأ: ١٨].
ولكن لما بطروا نعمة الله ومالت نفوسهم إلى ضد حالهم: ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [سبأ: ١٩]. ففرق الله شملهم بعد الاجتماع، وباعد بينهم بعد التقارب، حتى صاروا مضرب المثل؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: «تفرقوا أيدي سبأ».

من فوائد السفر:

التأمل في عظمة خلق الله:
إن من أعظم فوائد السفر، وأكثرها تعلقا بالله، معرفةَ عظمته وقدرته، بالنظر إلى ما ابتدعه - جل وعلا -، خلقا جميلا عجيبا، من حيوان وموات، وساكن وذي حركات، وما ذرأ فيه من مختلف الصور التي أسكنها أخاديد الأرض، وخروق فجاجها، ورواسي أعلامها، من أوتاد ووهاد، فصار فيها جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن ذوات أجنحة مختلفة، وهيئات متباينة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦].
كونها بعد أن لم تكن في عجائب صور ظاهرة، ونسقها على اختلافها بلطيف قدرته ودقيق صنعه، فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه، ومنها مغموس في لون صبغ، قد طوِّق بخلاف ما صبغ به: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: ٢٨].
فسبحان من أقام من شواهد البينات على عظمته وقدرته ما انقادت له العقول معترفة به ومسلمة له، فبان لها أن فاطر النملة هو فاطر النخلة.

لمتابعة المزيد حمل الملف المرفق...


عدد مرات القراءة (3208) عدد مرات التحميل (0) عدد مرات الإرسال (0)

0 ( 0 )
ملفات مرتبطة

آداب النزهة والسفر
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: