البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » رياضة النفس وتهذيب الأخلاق » ضبط اللسان
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
ضبط اللسان
إعداد: عفاف بنت يحيى آل حريد

بسم الله الرحمن الرحيم

تقوم صراعات، وتثور فتن، وتتفرق جماعات، وتضيع أوقات... وحين تدقق في مبدأ الأمر ومصدره، تجد الشرارة الأولى، من كلمات طائشة، أو اتهامات غاضبة، أو نقل خاطئ، هذه بعض ثمار الاستعمال السيئ للسان، في الدنيا قبل الآخرة.

يفسر ابن حجر (حفظ اللسان) بالامتناع عن النطق بما لا يسوغ شرعًا، مما لا حاجة للمتكلم به، ويشير النووي إلى ما يعين المتكلم على حفظ لسانه، فيقول: وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام، أن يتدبر في نفسه قبل نطقه، فإن ظهرت مصلحة تكلم، وإلا أمسك، فالضابط الأساسي لحفظ اللسان: الحذر من التسرع في الكلام، والتدبر والتفكر قبل إخراج الكلمة، ووزن الكلمة في ميزان الشرع، وابتغاء المصلحة الشرعية، وإلا فليملك المتكلم إرادته، وليلتزم الصمت، فإنه نجاة، وهو خير له، ولذلك جاء في الحديث: ) فكف لسانك إلا من الخير (، مما يُفهم أن الأصل الصمت والكفّ.

وتأديب النفس يكون بتعويد اللسان على الخير، وحفظه من كل شر، فقد روي أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرًا بالطريق فقال له: انفذ بسلام فقيل له: تقول هذا لخنزير؟! فقال عيسى: إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء، فطيب الكلام بالدربة والتعويد، وفحش الكلام كذلك، ولكل امرئ مع لسانه ما اعتاد عليه، وألفه، فبشيء من المجاهدة يُحفظ اللسان، وفي لحظة من التفريط يكون الانزلاق.

ومن حفظ اللسان: حمايته عن الخوض فيما لا ينبغي ولا يهم، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجّه المسلم لاغتنام طاقاته في المهمات: ) من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (، ومن سوء استعمال اللسان أن يطلق له العنان ليلوك الأحاديث، ويجتر الأخبار، ويوقد الفتن، وقد استشهد ابن ماجه بهذا الحديث في باب كف اللسان في الفتنة، وأي حفظ للّسان أكبر من أن يستعمله صاحبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وإنها لأعلى المنازل، وأدناها إمساك اللسان، والتزام الصمت، والكفّ عن الأعراض، والحفظ من كل سوء.

وكل خلق جميل يمكن اكتسابه بالاعتياد عليه، والحرص على التزامه، وتحري العمل به، حتى يصل صاحبه إلى المراتب العالية، ويرتقي من واحدة إلى الأعلى منها بحسن خلقه، ولذلك يقول - صلى الله عليه وسلم -: ) عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يُكتب عند الله صديقا (.

ومن أخلاقنا في ضبط اللسان خُلق الاعتذار: وهو أدب اجتماعي في التعامل الإسلامي، ينفي منك شعور الكبرياء، وينفي من قلب أخيك الحقد والبغضاء، ويدفع عنك الاعتراض عليك، أو إساءة الظن بك، حين يصدر منك ما ظاهره الخطأ، ومع أن الاعتذار بهذا المعنى حسن، فالأحسن منه أن تحذر من الوقوع فيما يجعلك مضطرًا للاعتذار، فقد جاء في الوصية الموجزة، من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -: ) ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدًا ( فإن زلت قدمك مرة فإنه: ) لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة ( كما في الحديث، وعندئذ فإن من التواضع ألَّا تكابر في الدفاع عن نفسك، بل إن الاعتراف بالخطأ أطيب للقلب، وأدعى إلى العفو.

ولا تنتظر من نفسك أن تسيء لتعتذر، بل يمكن أن يكون الاعتذار توضيحًا للموقف، أو بيانًا للقصد، فقد كان الأنصار عند فتح مكة، قد توقعوا ميل النبي - صلى الله عليه وسلم - للإقامة مع قومه في مكة بعد الفتح، فقالوا:

) أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:...كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم فأقبلوا إليه يبكون، ويعتذرون بأنهم قالوا ما قالوه لحرصهم على إقامته معهم في المدينة، فقالوا: والله ما قلنا إلا الضّنّ بالله ورسوله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: فإن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذرانكم (.

كان هذا الخلق صفة مميزة لمجتمع الصحابة - رضي الله عنهم - يروي أحمد: أن عثمان بن عفان جاء يعتب على ابن مسعود في أمور سمعها عنه، فقال: هل أنت منته عمّا بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر، من أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته... وعلامة الكرم والتواضع أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه، ولا تحاجّه.

وتلقّي الاعتذار بطيب نفس، وبالعفو والصفح، يحضّ الناس على الاعتذار، وسوء المقابلة للمعتذر، وتشديد اللائمة عليه، يجعل النفوس تصرّ على الخطأ، وتأبى الاعتراف بالزلل، وترفض تقديم المعاذير، فإن بادر المسيء بالاعتذار فبادر أنت بقبول العذر والعفو عما مضى لئلا ينقطع المعروف.

المصدر:

·        هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقًّا لمحمود الخازندار.

·        تهذيب مدارج السالكين لابن قيم الجوزية.


عدد مرات القراءة (2844) عدد مرات التحميل (2) عدد مرات الإرسال (0)

0 ( 0 )
ملفات مرتبطة

ضبط اللسان
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: