البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » التفاضل في الأعمال » المفاضلة في الأعمال (ج2)
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
المفاضلة في الأعمال (ج2)
إعداد: عفاف بنت يحيى آل حريد

بسم الله الرحمن الرحيم

2. الكمية: وهي ما به يجاب عن السؤال بكم؟ وتختص بالمقدار، فهي متعلقة بالعمل من حيث القلة والكثرة.

والكمية لها تعلقان:

الأول: بالعمل ذاته بحيث لا يكتمل العمل شرعا إلا بعمل كثير كالصيام والعمرة والحج، فإن الصيام لا يكتمل شرعا إلا بمرور يوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والعمرة لا تكتمل إلا بأعمال كثيرة، والحج لا يكتمل إلا بأيام، وأعمال عظيمة كثيرة، بخلاف الصلاة فإنها تكتمل بعمل يسير، وكذلك قراءة القرآن والذكر، وهذا أمر له أهميته عند المفاضلة، فإذا كانت الصلاة أفضل من الصيام، والحج، والعمرة، فلا يعني هذا أن تكون ركعتان أفضل من حجة تطوع، أو صيام يوم كامل، وإنما المقصود تفضيل جملة الصلاة على جملة الحج، وجملة الصيام، قال النووي: «ليس المراد بقولهم: الصلاة أفضل من الصيام، أن صلاة ركعتين أفضل من صيام أيام؛ فإن الصوم أفضل من ركعتين بلا شك».

الثاني: بالعامل بحيث يعمل الأعمال الكثيرة، والأصل في هذا أنه كلما زاد العامل العمل فهو أفضل إذا كان مشروعا، قال العز بن عبد السلام: «الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف، فإن تساوى العملان من كل وجه كان أكثر الثواب على أكثرهما» لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (سورة الزلزلة آية: 7)، ومما يدل لذلك أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: ) عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة (، قال العز بن عبد السلام: «إذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة، كالصدقة بدرهم ودرهمين»، وقد أصل القرافي قاعدة في ذلك: «كثرة الثواب كثرة العمل، وقلة الثواب قلة الفعل»، ويدلل لقوله ما سبق بأحاديث، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: ) من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب (، حيث ربط زيادة الفضل بالكثرة.

 

3. المشقة:

كل تكليف يتضمن مشقة للقيام به، فهذه مشقة عامة يشترك فيها كل المكلفين، والله - عز وجل - لم يشرع في حق هذه الأمة المشقة كي يتقرب بها إليه، وإنما قصد من التكاليف جلب مصلحة أو دفع مفسدة، ويدل لهذا الأصل المهم - أصل أن الله لم يتعبدنا بالمشاق الذي اضطربت فيه بعض الأفهام - حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في قصة أبي إسرائيل عندما نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ) مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه (، فنهى - صلى الله عليه وسلم - عن المشقة المجردة التي لا مصلحة فيها ، وأبقى ما فيه مصلحة.

والمشقة الجالبة للفضل لها تعلقان: من جهة العمل ومن جهة العامل.

أ. من جهة العمل: المشقة الجالبة من جهة العمل يمكن إرجاعها إلى عدة جهات هي:

الجهة الأولى طبيعة العبادة ذاتها: بحيث تكون طبيعة العبادة شاقة في أصلها قال ابن تيمية: «فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقهما أفضلهما» كما في الحج، والجهاد، فإن طبيعتهما المشقة والشدة والتعب، ولا تنال العبادتان بالراحة، بل تحتاجان إلى جهد وتعب، كما في قوله تعالى: ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ (سورة الأنفال آية: 7).

الجهة الثانية تكرر العبادة: فالتكرر الكثير يجلب المشقة، وإن كانت طبيعة العمل غير شاقة، ولكن بكثرة التكرر تحصل المشقة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (سورة البقرة آية: 45).

فجعلها كبيرة على المكلف، واستثنى الخاشعين.

الجهة الثالثة طبيعة زمان ومكان العبادة: كحال اشتداد الحر، والبرد، أو قوة الداعي لبعض الشهوات كالجلوس مع الأهل والاجتماع في البيوت، ويدل لهذا الأصل قوله -صلى الله عليه وسلم -: ) ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (.

ب. من جهة العامل: ويمكن إرجاع المشقة التي تكون سببا لتفضيل العبادات بالنسبة للعامل إلى: ذات الشخص المؤدي للعبادة، وزمانها ومكانها، وأما ما يتعلق بذات الشخص فقد ترجع إلى طبيعة الشخص الباطنة؛ كالبخيل إذا أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، أو تصدق وأنفق في سبيل الله تعالى، مع محبته الشديدة للمال، قال ابن القيم: «فإن العزيمة والمحبة، تذهب المشقة وتطيب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم والرغبة والعزيمة» ، ويدل لهذا الأصل قوله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (سورة آل عمران آية: 92).

وأما ما يتعلق بزمان ومكان العامل: وهذا من أوسع الأبواب وأكبرها في المفاضلة فهو أحد أسباب تفضيل الصحابة -رضوان الله عليهم- على من بعدهم كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ  (سورة التوبة آية: 117).

4. الحكم:

وللحكم متعلقان: من جهة العمل، ومن جهة العامل.

أ. من جهة العمل: ما يكون عليه العمل من حيث: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهية، والتحريم؛ إذ لا يخرج الحكم التكليفي عن هذه الأحكام الخمسة، فنوع العمل له تأثير في تفاضل الأعمال على بعض، وهو أصل متفق عليه في الشريعة، ويدل لهذا الأصل حديث الأولياء: ) وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه (.

ب. من جهة العامل: اختصاص العامل بمعرفة وعلم الكتاب والسنة: قال ابن رجب: «وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله، وقربه منه: فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم جرما ممن عصاه على بعد» وليس فقط ما ذكره ابن رجب من مضاعفة السيئات، ولكن أيضا حتى الأجر يضاعف، ولذلك قعد المقري قاعدة: «يتأكد أمر المندوب على من يُقتدى به» وهذا أصل كبير دلت عليه آيات الكتاب الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (سورة الإسراء آية: 74 - 75).

5. ثمرة العمل:

ولها تعلق أيضًا: من جهة العمل، وجهة العامل.

أ. من جهة العمل: فما يتعلق بالعمل يشمل شيئين: كون العمل وسيلة أو مقصدًا: فمثلا: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والأذان، كلها وسائل للصلاة، والصلاة مقصد يقصد لذاته، وهي أشرف وأفضل من هذه الأشياء كلها؛ لأن تلك وسائل لتحقيقها.

كون العمل قاصرا أو متعديا: فالعمل المتعدي إلى الغير أفضل من القاصر على نفس الشخص، هذا من حيث الجملة إذا تساوت رتب العبادات من حيث الوجوب أو الندب، وإلا قد يفضل العمل القاصر المتعدي في بعض الأحوال؛ ككون القاصر فريضة والمتعدي نفلا، ومن ذلك: تفضيل طلب العلم، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ب. من جهة العامل: ما يعود على كل شخص من فائدة وثمرة عند القيام بعمل من الأعمال بما يقربه من خالقه -عز وجل- لأن ما يصلح به الناس مختلف من شخص إلى آخر، وهذا أحد الأوجه المهمة في إجاباته المختلفة - صلى الله عليه وسلم - وتوجيهه لأفضل الأعمال الكثيرة.

6. زمان ومكان العمل:

زمان العمل ومكانه له تأثير في تفاضل الأعمال بعضها على بعض؛ فالشهور بعضها أفضل من بعض، والعمل في بعضها أفضل من العمل في البعض الآخر، فشهر رمضان مما يضاعف فيه عمل البر، وذلك دليل على عظيم فضله، قال ابن حجر: «الأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة؛ لأن تخصيص صاحب الشرع بعض الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات يقتضي اختصاص ذلك الوقت بمصلحة لا توجد في غير ذلك الوقت» .

ويمكن النظر إلى الأزمنة والأمكنة باعتبارين:

1. من الأزمنة والأمكنة ما يكون تفضيله حقيقيا نحو: رمضان، وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة.

2. من الأزمنة والأمكنة ما يكون تفضيله إضافيا بحسب ما يقوم بذلك الزمان والمكان من الخير والعلم، وظهور الإسلام وأهله، نحو: تفضيل زمن النبي - صلى الله عليه وسلم- والصحابة، ومن بعدهم من القرون الثلاثة المفضلة.

المصدر:

·        (المفاضلة في العبادات قواعد وتطبيقات) لسليمان النجران.

·        (قواعد المقري).

·        (إحياء علوم الدين) للغزالي.

·        (مجموع الفتاوى) لابن تيمية.

·        (جامع العلوم والحكم) لابن رجب.

·        (أحكام القرآن) للجصاص.

·        (قواعد الأحكام) لعبد العزيز السلمي.


عدد مرات القراءة (3296) عدد مرات التحميل (21) عدد مرات الإرسال (0)

2.7 ( 3 )
ملفات مرتبطة

المفاضلة في الأعمال 2
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: