البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » الأخلاق الذميمة » العصيان
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
العصيان
إعداد: عفاف بنت يحيى آل حريد

معنى العصيان:
قال الجرجانيّ: العصيان هو ترك الانقياد (لما أمر اللّه به أو نهى عنه).
وقيل: هو ترك المأمورات، وفعل المحظورات، أو ترك ما أوجب وفرض من كتابه أو على لسان رسوله، وارتكاب ما نهى اللّه عنه أو رسوله -صلّى اللّه عليه وسلّم- من الأقوال والأعمال الظّاهرة أو الباطنة.

الفرق بين العصيان والابتداع:
قال الكفويّ: العاصي: من يفعل محظورا لا يرجو الثّواب بفعله، والمبتدع: من يفعل محظورا يرجو الثّواب بفعله في الآخرة. قال: والعاصي والفاسق في الشّرع سواء.

أقسام العصاة:
يؤخذ ممّا ذكره الماورديّ عن أحوال النّاس في فعل الطّاعات واجتناب المعاصي أنّ العصاة على قسمين:

الأوّل: من يرتكب المعاصي ويمتنع عن الطّاعات، وهذه أخبث أحوال المكلّفين وشرّ صفات المتعبّدين.
الثّاني: من يرتكب المعاصي ويفعل الطّاعات، وهذا يستحقّ عذاب المجترئ؛ لأنّه تورّط بغلبة الشّهوة على الإقدام على المعصية، وإن سلم من التّقصير في فعل الطّاعة.

حكم العصيان:
يختلف حكم المعصية بحسب نوع هذه المعصية إن كبيرة وإن صغيرة، ولكنّ إدمان صغيرة أو صغائر بحيث تغلب المعاصي على الطّاعات؛ فإنّ ذلك يجعل هذه الصّغيرة أو تلك الصّغائر في حكم الكبيرة. يقول الإمام ابن حجر: وكون هذا كبيرة أي مثلها في سقوط العدالة، ونقل عن الرّافعيّ قوله: من ارتكب كبيرة، فسق وردّت شهادته. وأمّا الصّغائر فلا يشترط تجنّبها بالكلّيّة لكنّ الشّرط ألّا يصرّ عليها، فإن أصرّ كان الإصرار كارتكاب الكبيرة.

أصول الذنوب:
قال الغزاليّ -رحمه اللّه-: اعلم أنّ للإنسان أخلاقًا وأوصافًا كثيرة، لكن تنحصر مسارات الذنوب في أربع صفات:
أحدها: صفات ربوبيّة، ومنها يحدث الكبر والفخر وحبّ المدح والثّناء، والعزّ وطلب الاستعلاء، ونحو ذلك. وهذه ذنوب مهلكات، وبعض النّاس يغفل عنها، فلا يعدّها ذنوبا.
الثّانية: صفات شيطانيّة، ومنها يتشعّب الحسد والبغي والحيل والخداع والمكر، والغشّ والنّفاق والأمر بالفساد ونحو ذلك.
الثّالثة: الصّفات البهيميّة، ومنها يتشعّب الشّرّ والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، فيتشعّب من ذلك الزّنى واللّواطة والسّرقة، وأخذ الحطام لأجل الشّهوات.
الرّابعة: الصّفات السّبعيّة، ومنها يتشعّب الغضب والحقد، والتهجّم على النّاس بالقتل والضّرب، وأخذ الأموال، وهذه الصّفات لها تدرّج في الفطرة، فهذه أمّهات الذّنوب ومنابعها، ثمّ تتفجّر الذنوب من هذه المنابع إلى الجوارح: فبعضها في القلب، كالكفر، والبدعة، والنّفاق، وإضمار السّوء، وبعضها في العين، وبعضها في السّمع، وبعضها في اللّسان، وبعضها في البطن والفرج، وبعضها في اليدين والرّجلين وبعضها على جميع البدن.
ثمّ الذّنوب تنقسم إلى ما يتعلّق بحقوق الآدميّين، وإلى ما بين العبد وبين ربّه. فيما يتعلّق بحقوق العباد، فالأمر فيه أغلظ، والّذي بين العبد وبين ربّه، فالعفو فيه أرجى وأقرب، إلّا أن يكون شركا والعياذ باللّه، فذلك الّذي لا يغفر.

أنواع المعاصي:
1- الذنوب الملكية:
فالذنوب الملكيّة: أن يتعاطى العبد ما لا يصلح له من صفات الرّبوبيّة: كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلوّ، واستعباد الخلق، ونحو ذلك.
ويدخل في هذا الشّرك بالرّبّ تعالى، وهو نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته وجعل آلهة أخرى معه، وشرك به في معاملته، وهذا الثّاني قد لا يوجب دخول النّار، وإن أحبط العمل الّذي أشرك فيه مع اللّه غيره (وذلك هو الرّياء).
وهذا القسم أعظم أنواع الذّنوب، ويدخل فيه القول على اللّه بلا علم في خلقه وأمره، فمن كان من أهل هذه الذّنوب، فقد نازع اللّه سبحانه في ربوبيّته وملكه، وجعل له ندًّا، وهذا أعظم الذنوب عند اللّه، ولا ينفع معه عمل.

2- الذنوب الشيطانية:
وأمّا الشّيطانيّة: فالتّشبّه بالشّيطان في الحسد، والبغي، والغشّ، والغلّ، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي اللّه، وتحسينها، والنّهي عن طاعته، وتهجينها، والابتداع في دينه، والدّعوة إلى البدع والضّلال.
وهذا النّوع يلي النّوع الأوّل في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

3- الذنوب السبعية:
وأمّا السّبعيّة: فالعدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثّب على الضعفاء والعاجزين، ويتولّد منها أنواع أذى النّوع الإنسانيّ، والجرأة على الظلم والعدوان.

4- الذنوب البهيمية:
وأمّا الذنوب البهيميّة فمثل الشّره، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها يتولّد الزّنى، والسّرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشّحّ، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك.
وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذّنوب السّبعيّة والملكيّة، ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرّهم إليها بالزّمام، فيدخلون منه إلى الذّنوب السّبعيّة، ثمّ إلى الشّيطانيّة، ثمّ إلى منازعة الرّبوبيّة، والشّرك في الوحدانيّة.

أضرار المعاصي:
قال ابن القيّم -رحمه اللّه-: ممّا ينبغي أن يعلم: أنّ الذّنوب والمعاصي تضرّ، ولا بدّ أنّ ضررها في القلب كضرر السّموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضّرر. وهل في الدّنيا والآخرة شرّ وداء إلّا بسبب الذّنوب والمعاصي؟!
فما الّذي أخرج الأبوين من الجنّة، دار اللّذّة والنّعمة والبهجة والسّرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الّذي أخرج إبليس من ملكوت السّماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدّل بالقرب بعدًا، وبالرّحمة لعنة، وبالجمال قبحًا، وبالجنّة نارًا تلظّى، وبالإيمان كفرًا؟
وما الّذي أغرق أهل الأرض كلّهم حتّى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟
وما الّذي سلّط الرّيح على قوم عاد حتّى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنّهم أعجاز نخل خاوية، ودمّرت ما مرّت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابّهم حتّى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الّذي أرسل على قوم ثمود الصّيحة حتّى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الّذي رفع اللّوطيّة حتّى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثمّ قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا؟
وما الّذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظّلل، فلمّا صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظّى؟
وما الّذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثمّ نقلت أرواحهم إلى جهنّم، والأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟
وما الّذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
وما الّذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمّرها تدميرا؟
وما الّذي أهلك قوم صاحب يس بالصّيحة حتّى خمدوا عن آخرهم؟
وما الّذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الدّيار وقتلوا الرّجال، وسبوا الذرّيّة والنّساء، وأحرقوا الدّيار، ونهبوا الأموال، ثمّ بعثهم عليهم مرّة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبّروا ما علوا تتبيرا؟

قال ابن القيّم- رحمه اللّه-: «من أعجب الأشياء أن تعرفه ثمّ لا تحبّه، وأن تسمع داعيه ثمّ تتأخّر عنه الإجابة، وأن تعرف قدر الرّبح في معاملته ثمّ تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثمّ تتعرّض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثمّ لا تطلب الأنس بطاعته، وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثمّ لا تشتاق إلى انشراح الصّدر بذكره ومناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلّق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه».

وقال- رحمه اللّه-: «مثال تولّد الطّاعة ونموّها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة، ثمّ أثمرت فأكلت ثمرها وغرست نواها، فكلّما أثمر منها شيء جنيت ثمره وغرست نواه، وكذلك تداعي المعاصي، فليتدبّر اللبيب هذا المثال».

قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللّه-: قد ذكر غير واحد أنّ عروة بن الزّبير لمّا خرج من المدينة متوجّها إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة كان مبدؤها هناك، فظنّ أنّها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلّا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطبّاء العارفين بذلك، فاجتمعوا على أنّه إن لم يقطعها وإلّا أكلت رجله كلّها إلى وركه، وربّما ترقّت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها، وقالوا: ألا نسقيك مرقّدا حتّى يذهب عقلك منه فلا تحسّ بألم النّشر؟ فقال: لا واللّه ما كنت أظنّ أحدا يشرب شرابا أو يأكل شيئا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بدّ فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصّلاة، فإنّي لا أحسّ بذلك ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحيّ، احتياطا أنّه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلّي، فما تضوّر ولا اختلج، فلمّا انصرف من الصّلاة عزّاه الوليد في رجله، فقال: اللّهمّ لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا، فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت. فلمّا قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، فبلغه أنّ بعض النّاس قال: إنّما أصابه ذلك بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أوس:

لعمرك ما أهويت كفّي لريبة ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي
ولست بماش ما حييت لمنكر من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة  وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي
وأعلم أنّي لم تصبني مصيبة  من الدّهر إلّا قد أصابت فتى مثلي

 من مضار (العصيان):
(1) حرمان العلم، فإنّ العلم نور يقذفه اللّه في القلب، والمعصية تطفأ ذلك النّور.
(2) حرمان الرّزق، فكما أنّ التّقوى مجلبة للرّزق، فترك التّقوى مجلبة للفقر.
(3) حرمان الطّاعة، فلو لم يكن للذّنب عقوبة إلّا أن يصدّ عن الطّاعة لكان في ذلك كفاية من الحرمان.
(4) أنّ المعاصي توهن القلب والبدن.
(5) أنّ المعاصي تقصّر العمر، وتمحق البركة.
(6) أنّ المعاصي تزرع أمثالها، ويولّد بعضها بعضا.

المراجع:
• منهاج القاصدين لابن قدامة.
• الجواب الكافي لابن قيم.
• الفوائد لابن القيم، البداية والنهاية لابن كثير.
• أدب الدنيا والدين للماوردي.
• الزواجر لابن حجر الهيتمي.
• نضرة النعيم بإشراف صالح بن حميد وعبد الرحمن بن ملوح.


عدد مرات القراءة (3559) عدد مرات التحميل (6) عدد مرات الإرسال (0)

0 ( 2 )
ملفات مرتبطة

العصيان
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: