البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » الأخلاق الذميمة » التنازع
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
التنازع
إعداد: عفاف بنت يحيى آل حريد

على كل مسلم أن يحرص على تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويحصل ذلك بتجريد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فالحق دائر معه وجودًا وعدمًا، وأما غيره فيؤخذ من قوله ويرد، فمن جاء بالحق قبل منه وإن كان بغيضا؛ لأنه يخبر عن الله تعالى ورسوله لا عن نفسه، ومن جاء بالباطل رد عليه وإن كان محبوبا، وهذا حقيقة تجريد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولن يضل المرء ما اتبع الأثر، ولن يسأله الله عن كونه لم يتبع فلانا وفلانا ما اتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وجود التنازع والاختلاف في هذه الأمة، فقال: ) إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين (.

ففي هذا الحديث إشارة إلى ظهور الخلاف الكثير، وقد وقع كما أخبر، ولكن بيّن المخرج منه فقال: ) عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ( فأمر باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين، وترك ما أحدث الناس بشهواتهم ورغباتهم وتخضيع النصوص الشرعية مسايرة للواقع؛ فإن الواقع لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا؛ فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو.

قال الأوزاعي -رحمه الله-: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول" رواه الخطيب (شرف أصحاب الحديث)، وسنده صحيح.
وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة".
التّنازع والمنازعة: المجاذبة، ويعبّر بها عن المخاصمة والمجادلة. قال: والنّازع: الشّيطان؛ لأنّه ينزع بين القوم، أي يفرّق ويفسد.

الفرق بين التّفرق والتنازع:
يتجلّى الفرق بين الأمرين: أنّ التّفرّق والتّفريق خاصّ بالأعيان، أمّا التّنازع فيكون في الأعيان والمعاني على سواء، وأيضا فإنّ التّنازع لا بدّ وأن يصحبه اجتماع، أمّا التّفرّق فقد يكون بعد الاجتماع وقد يكون بدونه، أي إنّه يحصل ابتداء، ومن وجوه الفرق أيضا أنّ ضدّ التّفرّق الاجتماع، وضدّ التّنازع الاتّحاد (وخاصّة في مجال الرّأي)، وإذا اجتمع الأمران فإنّ التّنازع يكون سببا للفرقة، بحيث تكون كالنّتيجة له.

التنازع بين المدح والذّم:
قال الشّيخ محمّد الغزاليّ: إنّ التّنازع واختلاف الرّأي حول أمر من الأمور قد يكون مطلوبًا إذا صحبته نيّة حسنة، وكان الغرض منه إظهار الحقّ بالبرهان والحجّة، وهو حينئذ أقرب إلى التّشاور منه إلى الجدال والخصام.
إنّ اختلاف الأفهام واشتجار الآراء ليس بمستغرب في الحياة، ولكن شريطة ألّا يؤدّي ذلك للتّقاطع (التّفرّق)، والشّقاق، ولو تجرّدت النيّات للبحث عن الحقيقة، وأقبل روّادها وهم بعداء عن طلب الغلب والسّمعة والرّئاسة والثّراء؛ لصفّيت المنازعات الّتي ملأت التّاريخ بالأكدار والمآسي.
وأردف -رحمه الله- قائلا: إنّ النّاس إذا لم يجمعهم الحقّ شعّبهم الباطل، وإذا لم يستهوهم نعيم الآخرة تخاصموا على متاع الدّنيا؛ ولهذا كان (التّنازع) والتّطاحن المرّ من خصائص الجاهليّة المظلمة وديدن من لا إيمان لهم.
يقول المصطفى -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض (، يعني أنّ هذا العراك الدّامي هو شأن الكافرين المنقسمين على أنفسهم أحزابا متنافرة، لقد تلقّى المسلمون في أحد درسًا مؤلمًا أفقدهم من رجالهم سبعين بطلا، وردّتهم إلى المدينة وهم يعانون من آلام الجراحات، ولِمَ ذلك مع أنّ إيمانهم باللّه ودفاعهم عن الحقّ كانا يرشّحانهم للفوز المبين؟ ذلك لأنّهم تنازعوا وانقسموا وعصوا أمر اللّه ورسوله، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ  (سورة آل عمران، الآية 152).

إنّ الإسلام حريص على سلامة أمّته وحفظ كيانها، وهو لذلك يطفئ بقوّة بوادر الخلاف والنّزاع، ويهيب بالأفراد كافّة أن يتكاتفوا على إخراج الأمّة من ورطات الشّقاق ) يد اللّه مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار (.
وأعداء الإسلام يودّون أن يضعوا أيديهم ولو على شخص واحد ليكون طرفا ناتئا يستمسكون منه ويجذبون الأمّة كلّها عن طريقه، فلا جرم حينئذ أن يستأصل الإسلام هذا النّتوء لينجّي الجماعة كلّها من أخطار بقائه، ولذلك يقول رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-: ) ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرّق هذه الأمّة وهي جميع، فاضربوه بالسّيف كائنا من كان (، والخلاصة أنّ التّنازع إن كان يراد به مقارعة الحجّة بالحجّة إظهارا للحقّ فهو محمود، شريطة أن يصحبه حسن النّيّة والرّغبة الصّادقة للوصول إلى مصلحة الأمّة، أمّا إذا كان المراد به تحقيق المصلحة الشّخصيّة أو حبّ الرّئاسة أو تفريق الجماعة، أو صحبته مخالفة لأمر من أمور الشّرع، فهو مذموم منهيّ عنه.

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التنازع):
 عن ابن عبّاس -رضي اللّه عنهما- قال في قوله تعالى ﴿ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ  (سورة آل عمران، الآية 152) لمّا هزم اللّه المشركين يوم أحد، قال الرّماة: أدركوا النّاس، لا يسبقونا إلى الغنائم فتكون لهم دونكم، وقال بعضهم (أي الرّماة): لا نريم حتّى يأذن لنا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم-، فنزل قوله تعالى:  ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ  (سورة آل عمران، الآية 152).
وعن مجاهد -رحمه الله- في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  (سورة الأنفال، آية: 46) قال: "المعنى: لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم".
 وعنه -رحمه الله- أيضا في قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  (سورة النساء، الآية 59) قال: "فإن تنازع العلماء (في شيء) ردّوه إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم".
 عن قتادة -رحمه الله- في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا (سورة الأنفال، آية: 46) قال: "لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم".

من مضار (التنازع):
(1) يؤدّي إلى الفشل وضعف القوّة وذهاب الرّيح والهزيمة.
(2) يؤدّي إلى الكره والبغضاء بين النّاس.
(3) يؤدّي إلى سخط الرّبّ عزّ وجلّ.
(4) يؤدّي إلى إراقة الدّماء.
(5) خسارة في الدّنيا وعذاب في الآخرة.
(6) التّنازع يضعف قوّة الأمّة ويمكّن منها أعداءها.
(7) التّنازع على المناصب وأمور الدّنيا يؤدّي إلى الفتن وإشعال الحروب الأهليّة.
(8) التّنازع يشغل أصحابه عمّا يفيدهم في دنياهم وآخرتهم.
(9) التّنازع يفتّت قوّة المجتمع ويؤدّي إلى الفرقة.
(10) التّنازع مدخل واسع من مداخل الشّيطان الّتي يتمكّن بها من إفساد العقيدة وإشاعة البغضاء بين الأخ وأخيه، بل بين الأب وابنه.

المراجع:
• القول الرشيد في أهم أنواع الحديث لسليمان العلوان.
• خلق المسلم لمحمد الغزالي.
• نضرة النعيم بإشراف صالح بن حميد وعبد الرحمن بن ملوح.


عدد مرات القراءة (2850) عدد مرات التحميل (4) عدد مرات الإرسال (0)

0 ( 3 )
ملفات مرتبطة

التنازع
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: