البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » الأخلاق الذميمة » الظلم
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
الظلم
إعداد: عفاف بنت يحيى آل حريد

الشرك أعظم ذنب عُصي به الله تعالى، وهو أشد نواقض الإسلام جُرمًا، وقد أخذ الله على نفسه أن لا يغفر للمشرك شركه إلا أن يتوب، فلا يكفِّر الشرك شيئًا من أنواع المكفرات المعروفة إلا أن يتوب المشرك من شركه، ولذا قال سبحانه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (سورة النساء، 48).
وهو الظلم العظيم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (سورة الأنعام، الآية 82).
روى أحمد والبخاري ومسلم عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة ) عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية  ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ (سورة الأنعام، الآية 82) شق ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  (سورة لقمان، الآية 13) (.
روى الإمام أحمد والشيخان من حديث منصور عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل ) عن عبد الله قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. قلت: إن ذلك لعظيم ( الحديث.
كيف لا يكون أعظم الذنب وأظلم الظلم وأكبر الكبائر، وهو تشبيه للخالق بالمخلوق، وذنب لا يُغفر، وتنقُّص نزَّه الله -جل شأنه- نفسه عنه، فمن أشرك مع الله غيره، فقد حادّ وعاند وشاقّ الله، وأثبت له ما نزه نفسه عنه، قال تعالى عن حال المشركين مع معبوديهم يوم القيامة: ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (سورة الشعراء، الآيتان 97-98).
قال الكفويّ: الظّلم وضع الشّيء في غير موضعه، والتّصرّف في حقّ الغير، ومجاوزة حدّ الشّارع.

الظلم بين العباد:
والظلم أقسام ثلاثة: قسم منه ظلم يكون بين العباد، وهذا كثير جدًّا، يقع في الأعراض والأموال والدماء، ويقع في غير ذلك، فهذا مبناه على التقصي وأن لا يُترك منه شيء؛ لأن الإنسان ضعيف ويريد حقه، ولكنه إذا وقف بين يدي الله فإنه يود لو يكون على والدته له حق فيأخذه، أو على والده، أو يود الوالد أن يكون على ولده له حق فيأخذه، ولهذا يقول الله -جل وعلا- في كتابه: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (سورة عبس، الآيات (34-36).

ظلم العبد لنفسه:
القسم الثاني من الظلم ظلم العبد لنفسه، وهذا هو أسهل أنواع الظلم، ما عدا ظلمه للعباد فإنه يخرج من هذا؛ لأنه أمر عظيم، بمعنى أنه لا يُترك منه شيء، ولا بد من استقصائه، ولكن ظلم العبد لنفسه فيما بينه وبين ربه في تقصيره في أوامر الله، وفي ارتكابه لنواهي الله التي لا يتعلق بها أمر مخلوق من الناس، فهذا الظلم هو الذي يقول الله -جل وعلا- فيه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (سورة النساء، الآية 48)، فقد علق المغفرة بمشيئته، ما عدا الشرك وما عدا ظلم العباد بعضهم مع بعض، ولهذا نقول: هذا أسهل أنواع الظلم وأيسرها؛ لأن الله غفور رحيم، وبر كريم جل وعلا، إذا شاء أن يعفو عن ذنب عبده عفا ولا يبالي، وقد جاء في الحديث القدسي قوله -جل وعلا- في الحديث الذي يرويه عنه رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ) يا ابن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، للقيتك بقرابها مغفرة ( يعني: بملئها أو ما يقارب ملأها مغفرة.

القسم الثالث من أقسام الظلم الشرك: وهو من أعظم الظلم، وهو الذي أخبر -جل وعلا- أنه لا يغفره لمن مات عليه، فإذا سلم الإنسان من هذه الأقسام الثلاثة فهو الغانم السالم الذي يسبق إلى الجنة أول وهلة بلا عذاب، ولكن الغالب أن الناس لا يسلمون من نوع من هذه الأنواع.

أنواع الظّلمة:

أمّا أنواع الظّلمة فثلاثة:
1- الظّالم الأعظم، وهو الّذي لا يدخل تحت شريعة اللّه تعالى، وإيّاه عنى بقوله ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (سورة لقمان، الآية 13).
2- الظّالم الأوسط، وهو الّذي لا يلتزم حكم السّلطان «أي فيما وضعه السّلطان من أنظمة لتيسير الحياة ولا يتعارض مع أحكام الشّرع».
3- الظّالم الأصغر، وهو الّذي يتعطّل عن المكاسب والأعمال، فيأخذ منافع النّاس، ولا يعطيهم منفعة، ومن خرج عن تعاطي العدل بالطّبع وبالخلق والتّخلّق والتّصنّع والرّياء والرّغبة والرّهبة، فقد انسلخ عن الإنسانيّة، ومتى صار أهل كلّ صقع على ذلك فتهارشوا وتغالبوا وأكل قويّهم ضعيفهم، ولم يبق فيهم أثر قبول لمن يمنعهم ويصدّهم عن الفساد، فقد جرت عادة اللّه سبحانه في أمثالهم هلاكهم واستئصالهم عن آخرهم.

من يستعمل معهم الظّلم:

أمّا المستعمل معهم الظّلم فخمسة:
الأوّل: (ربّ العزّة وذلك حين يشرك به) إذ يقتضي العدل معرفة توحيده وأحكامه.
الثّاني: قوى النّفس، ويكون ذلك بعدم إنصاف العقل من الهوى، ويقتضي العدل أن يجعل الإنسان هواه مستسلما لعقله، وقد قيل أعدل النّاس من أنصف عقله من هواه.
الثّالث: أسلاف الإنسان، ويكون ذلك بترك وصاياهم وعدم الدّعاء لهم.
الرّابع: من يعاملهم الإنسان من الأحياء، ويكون ذلك بالتّقصير في أداء الحقوق، وعدم الإنصاف في المعاملات من بيع وشراء وجميع المعاوضات والإجارات.
الخامس: عامّة النّاس إذا تولّى الحكم بينهم، ويكون ذلك بالجور وعدم النّصفة، وذلك في شأن الولاة والقضاة ومن إليهم.

بين الظلم والجور:
يرى كثيرون أنّ الجور والظّلم سواء، ولكنّ الكفويّ فرّق بينهما فقال: الظلم: ضرر من حاكم أو غيره. والجور: هو خلاف الاستقامة في الحكم.

هل يجوز الانظلام:
أطلق الرّاغب على قبول الظّلم مصطلح «الانظلام»، وقسّمه من حيث الكمّيّة ومن حيث الكيفيّة فقال:
ترك العدل إلى الظّلم عمدا مذموم في جميع الأحوال، والخارج عنه إلى الظّلم مستوجب بقدر خروجه سخطًا من اللّه- عزّ وجلّ- إلّا أن يتغمّده اللّه بعفوه-، أمّا الخارج عنه (عن العدل) إلى الانظلام فقد يحمد.

والانظلام من حيث الكمّيّة ثلاثة أضرب:
1- انظلام في المال، وهو الاستخذاء للظّالم في أخذ ماله.
2- انظلام في الكرامة، وهو الاستخذاء في بخس منزلته من التّعظيم.
3- انظلام في النّفس، وهو استخذاء لمن يؤلمه، وكلّ واحد من هذه الثّلاثة يكون محمودًا ويكون مذمومًا.

أمّا من حيث الكيفيّة فهو ضربان:
الأوّل: محمود، ويراد به التّغاضي عن حقّ له في المال أو الكرامة أو النّفس، بقدر ما يحسن، وفي وقت ما يحسن، وهو المعبّر عنه بالانخداع والتّغافل، وهو المعبّر عنه في قول معاوية -رضي اللّه عنه-: «من خدعك وانخدعت له، فقد خدعته»، وذلك إذا كان في مال فمسامحة، وإن كان في النّفس فعفو، وإن كان في الكرامة فتواضع.
والثّاني: مذموم، وهو الّذي إن كان في المال فغبن، وإن كان في النّفس والكرامة فهوان ومذلّة.

حكم الظّلم:
قال الإمام الذّهبيّ: الظّلم يكون بأكل أموال النّاس وأخذها ظلمًا، وظلم النّاس بالضّرب والشّتم والتعدّي والاستطالة على الضّعفاء، وقد عدّه الكبيرة السّادسة والعشرين. وبعد أن ذكر الآيات والأحاديث الّتي تتوعّد الظّالمين، نقل عن بعض السّلف قوله: لا تظلم الضّعفاء فتكون من شرار الأقوياء.
ثمّ عدّد صورًا من الظلم، منها: أخذ مال اليتيم، المماطلة بحقّ على الإنسان مع القدرة على الوفاء، ظلم المرأة حقّها من صداق ونفقة وكسوة، ظلم الأجير بعدم إعطاء الأجرة.

من مضار (الظلم):
(1) يجلب غضب الرّبّ وسخطه ويتسلّط على الظّالم بشتّى أنواع العذاب.
(2) قبول دعاء المظلوم فيه.
(3) يخرّب الدّيار وبسببه تنهار الدّول.
(4) تحاشي الخلق عن الظّالم وبعدهم منه لخوفهم من بطشه.
(5) معصيته متعدّية للغير.
(6) دليل على ظلمة القلب وقسوته.
(7) عدم الأخذ على يد الظّالم يفسد الأمّة.
(8) يجلب كره الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
(9) صغار الظّالم عند اللّه وذلّته.
(10) الظّالم يحرم شفاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.

الظلم من أسباب العذاب العاجل:
من أسباب العذاب العاجل -وليس الآجل- الظلم، والظلم أنواع: قد يكون بأخذ الأموال، وقد يكون بالاستطالة في الأعراض، وقد يكون بالاحتقار والازدراء، أي إنه قد يكون بالفعل، وقد يكون بالقول، وقد يكون بغير ذلك، فالواجب على العبد أن يتقي ربه، وألا يرى نفسه فوق الناس وأحسن من الناس، فإنه إذا رأى نفسه بهذه الصورة، فإنه يزدري كثيرًا من الناس ويظلمهم، سواءٌ بالفعل أو بالقول، ومعلوم أنه ليس كل أحد يستطيع الظلم بالفعل، وإنما يستطيع ذلك من كان بيده شيء من أمور المسلمين العامة، ولو لم يكن الأمر له فيه استقلال، فإنه إذا كان بهذه المثابة استطاع أن يظلم، فيظلم نفسه أولًا بعدم أداء الواجب، ثم يظلم عباد الله لعدم قضاء الأمور التي أنيطت به، والسبب في هذا عدم مخافة الله -جل وعلا-، ثم كونه لا يتقي أسباب العذاب الذي سوف يكون عاجلًا.
إن الظلم سبب عاجل للعذاب، وإذا وقع الظالم في شدة لم يفلت منها، فيأخذه الله جل وعلا أخذًا قريبًا جدًّا، ومهما امتد به العمر أو فسح له في الأجل فهو قريب، وإذا أخذه لم يفلته، فأخذ الله أليم شديد جل وعلا.

دعوة المظلوم مستجابة:
الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول لمعاذ -رضي الله عنه-: ) واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ( يعني: اجعل واقيًا يقيك منها.
يقول العلماء: من عادة الله -جل وعلا- أن الله لا يترك ظالمًا يتمادى في حياته وفي سعيه، حتى الدول، فالدول إذا صارت تظلم الشعوب وتظلم الناس، فإن مدتها لن تطول، وسوف تزول، بخلاف الدول العادلة التي تعدل وإن كانت كافرة، فإن مدتها قد تطول وإن كانت كافرة، وذلك أن الظلم لا يقره الله -جل وعلا- في حالة من الحالات، فقد حرمه على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، ومن أعظم الإجرام أن يتطاول متطاول بقوته وسلطته على ضعيف ليس له ناصر ولا حيلة له إلا أن يرفع يديه إلى السماء ويقول: يا رب يا رب.
ولهذا لا يتركه الله جل وعلا، فمن فعل به ذلك، لم يفلت الله جل وعلا الظالم.

المراجع:

• شرح كتاب التوحيد لعبد الله الغنيمان.
• الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام لعبد العزيز الطريفي.
• الكبائر للذهبي.
• الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني.
• نضرة النعيم بإشراف صالح بن حميد وعبد الرحمن بن ملوح.


عدد مرات القراءة (5749) عدد مرات التحميل (14) عدد مرات الإرسال (0)

5 ( 6 )
ملفات مرتبطة

الظلـم
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: