البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » الأخلاق الذميمة » آفـة الجهـل
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
آفـة الجهـل
جمع وإعداد: عفاف بنت يحيى آل حريد

نحن نعلم أن أول ما نزل على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- (اقرأ)، وهذه إشارة وعلامة واضحة من ديننا الحنيف بالحث على العلم ونبذ الجهل، فالجهل آفة عظيمة، سواء على الفرد أو الجماعة، وهو أصل كل شر.

قال الإمام الخبير بعلم النفس، الراغب الأصفهاني، في كتابه الرائع (الذريعة إلى مكارم الشريعة) ما نصه:

في أنواع الجهل

الإنسان في الجهل على أربعة منازل:

الأول: من لا يعتقد اعتقادًا لا صالحًا ولا طالحًا، فأمره في إرشاده سهل إذا كان له طبع سليم، فإنه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر، ويقال له باعتبار العلم النظري غُفل، وباعتبار العلم العملي غُمر، ويقال له: سليم الصدر.

والثاني: معتقد لرأي فاسد، لكنه لم ينشأ عليه، ولم يترب به، واستنـزاله عنه سهل، وإن كان أصعب من الأول؛ فإنه كلوحٍ يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرضٍ يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاوٍ وضال.

والثالث: معتقد لرأي فاسد قد ران على قلبه، وتراءت له صحته، فركن إليه لجهله وضعف نحيزته، فهو ممن وصفه الله تعالى بقوله: ﴿ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، فهذا ذو داء أعيا الأطباء، فما كل داء له دواء، فلا سبيل إلى تهذيبه وتنبيهه، كما قيل لحكيم يعظ شيخًا جاهلًا: ما تصنع؟ فقال: أغسل مسحًا لعله يبيض!!

والرابع: معتقد اعتقادًا فاسدًا عرف فساده، أو تمكن من معرفته، لكنه اكتسب دنيةً لرأسه، وكرسيًّا لرئاسته، فهو يحامي عليها، فيجادل بالباطل ليدحض به الحق، ويذم أهل العلم ليجر إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتكبر في نحو قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم الآية، وقوله: ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون، فنبه تعالى أنهم ينكرون ما يقولونه ويفعلونه لمعرفتهم ببطلانه، ولكن يستكبرون عن التزام الحق، وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السجود لآدم عليه السلام.

 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الجهل والظلم هما أصل كل شر كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: 72]. ولذا نجد المولى -عز وجل- يشفع على الجهل وأهله في غير ما موضع، إلا أنه وصفهم بالحمر لا يعقلون ولا يفهمون لجهلهم، لا سيما إذا اقترن بالجهل سوء المقصد وفساد النية، كشأن اليهود، قال تعالى في وصفهم: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [ الجمعة: 5].

إن الجهل سبب شقاء الأمم والأفراد، وسبب تأخرها وضياعها، والعلم سبب رفعتها وعزها وسؤددها، قال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ المجادلة: 11]. فما من رفعة إلا ومن ورائها العلم، وما من شر ونقيصة إلا ووراءها الجهل.

علاج الجهل:

1- العلم:

دواء الجهل العلم، قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد: 19]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: 28]. وقال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الأَلْبَابِ [الرعد: 19] ولقد بيَّن الله تعالى أن سبب الظلم والكفر والجحود هو الجهل، فقال تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت: 49 ]. وبيَّن -عز وجل- أيضا أن العلم سبب الهداية إلى الحق، فقال تعالى: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: 6].
ولما للعلم من منزلة عظيمة، فقد جعله الإسلام من أقرب القربات إلى الله تعالى، كما في الحديث: ) يا أبا ذر، لأن تغدوا فتعلم آية من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدوا فتتعلم بابًا من العلم عمل به أو لم يعمل به، خير من أن تصلي ألف ركعة (.
قال الإمام أحمد: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه.

2- التفكر:

قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلًافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [ آل عمران: 190-191].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [ الأنعام: 50].
فإمعان العقل في التأمل والتفكر يورث العلم؛ ولذا قال سفيان بن عيينة: "إذا المرء كانت له فكرة، ففي كل شيء له عبرة".
قال الشيخ أبو سلمان الداراني: "أخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء، إلا رأيت لله فيه نعمة ولي فيه عبرة".
قيل لإبراهيم بن أدهم: إنك تطيل الفكرة؟ فقال: الفكرة مخ العقل.
وقال وهب بن منبه: "ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم، وما علم امرؤ قط إلا عمل".

 3- مجالسة أهل العلم والفضل والصلاح:

قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:   

فلا تصحبْ أخا الجهلِ وإياك وإياهُ
يقاس المرء بالمرءِ إذا ما المرء ماشاهُ
قياسُ النعل بالنعلِ إذا ما النعل حاذاهُ
وللشيءِ على الشيءِ مقاييس وأشباهُ
وللقلبِ على القلبِ دليلٌ حين يلقاهُ
قال الشعبي -رحمه الله-: "جالسوا العلماء؛ فإنكم إن أحسنتم حمدوكم، وإن أسأتم تأولوا لكم وعذروكم، وإن أخطأتم لم يعنفوكم، وإن جهلتم علموكم، وإن شهدوا لكم نفعوكم".

4- الأخذ من العلم بحظ وافر:
كما قال تعالى: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114].
وقد قيل: من ظن أنه قد علم فقد جهل.
قال يحيى بن خالد بن برمك -رحمه الله تعالى- لابنه: "يا بني، خذ من كل علم بحظ وافر؛ فإنك إن لم تفعل جهلت، وإن جهلت شيئًا من العلم عاديته، وعزيز عليَّ أن تعادي شيئًا من العلم".
إن أعظم سبب لعلاج داء الجهل الأخذ بأسباب المعرفة والعلم والبحث العلمي، وهذا ما قاد كثيرًا من علماء العصر، قادتهم التجربة والبحث العلمي إلى الاهتداء إلى الإسلام واعتناق الدين الحق كما قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  [فصلت: 53].

وسنعرض هنا على عجالة لأمثلة ونماذج لهؤلاء العلماء:

- أمثلة ونماذج لعلماء معاصرين قادهم البحث العلمي إلى الإسلام ونور الهداية:

1- إدوارد لوتركيل:

هو إخصائي في علم الحيوان والحشرات، حاصل على دكتوراه من جامعة كاليفورنيا، أستاذ علم الأحياء، ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو، ومتخصص في دراسة أجنحة الحشرات والسلامندو (نوع من الحيوان والحشرات ذوات الجناحين). قال بعد أن سرد عددًا من الأدلة على إيمانه: "ولا يتسع المقام لسرد أدلة أخرى لبيان الحكمة والتصميم والإبداع في هذا الكون، ولكني وصلت إلى كثير من هذه الأدلة فيما قمت به من البحوث المحددة حول أجنحة الحشرات وتطورها، وكلما استرسلت في دراستي للطبيعة والكون، ازداد اقتناعي وقوي إيماني بهذه الأدلة".

2- العالم الفلكي هرشل:

يقول العالم الفلكي الإنجليزي هرشل: "كلما اتسع نطاق العلم، ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا وتضامنوا على تشييد صرح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده".

3- وهذا الدكتور روتر الكيماوي الفرنسي يقول: "إذا أحسست في حين من الأحيان أن عقيدتي بالله قد تزعزعت، وجهت وجهي إلى أكاديمية العلوم لتثبيتها". وغيرهم كثير، كما قال تعالى: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ: 6].


عدد مرات القراءة (10133) عدد مرات التحميل (25) عدد مرات الإرسال (0)

3 ( 23 )
ملفات مرتبطة

آفة الجهل
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: