البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
تزكية النفس
المزيد ...
الصفحة الرئيسة » تزكية النفس » اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم » النصرة الحقيقية
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
النصرة الحقيقية
بقلم/ محمد بن عبد السلام الأنصاري

إن لنبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم مقامًا لم ينله بشر؛ فهو سيد المرسلين؛ وإمام المتقين؛ وقدوة الخلق أجمعين؛ وهو الشافع المشفع؛ وأول من تفتح له أبواب الجنة؛ فصلوات ربي وسلامه عليه دائمًا سرمدًا.

والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم واجب محتم؛ ولا يقبل إسلام عبد بدون الإذعان والانقياد له بالنبوة والرسالة؛ والشهادة التي يدخل بها العبد الإسلام مكونة من الإقرار لله تعالى بالإلوهية؛ وبالنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة؛ ولا ينفع العبد أن يقر بشطر الشهادة حتى يقر بالشطر الآخر (لا إله إلا الله؛ محمد رسول الله).

وقد تكفل رب العالمين برفع شأنه صلى الله عليه وسلم؛ فقال تعالى: ﴿ ورفعنا لك ذكرك؛ فرفع تعالى ذكره؛ وأعلى شأنه؛ وأعلى مكانه؛ وخلّد اسمه؛ فلا يذكر اسمه تعالى في الشهادة إلا قرن باسمه صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ

مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويُشْهَدُ

وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ

إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

وشقّ لهُ منِ اسمهِ ليجلهُ

فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ

كما أن منتقص النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كتب الله عليه الصغار والشنار في الدنيا قبل الآخرة؛ وقطع ذكره؛ وأخمل شخصه؛ وجعل الذلة والصغار ترافقه أينما حل وارتحل؛ كما قال تعالى: ﴿ إن شانئك هو الأبتر .

ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الجواب الصحيح (6 / 296): "ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذم دينه بأنواع من العقوبات، وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع من العقوبات العجيبة التي تبين كلاءة الله لعرضه وقيامه بنصره وتعظيمه لقدره ورفعه لذكره، وما من طائفة من الناس إلا وعندهم من هذا الباب ما فيه عبرة لأولي الألباب، ومن المعروف المشهور المجرب عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب أنه يتعسر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار إلى أن يسب العدو الرسول صلى الله عليه وسلم، فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو، فإنه يكون ذلك قريبًا، كما قد جربه المسلمون غير مرة تحقيقًا لقوله تعالى ﴿ إن شانئك هو الأبتر، ولما مزَّق كسرى كتابه مزق الله ملك الأكاسرة كل ممزق، ولما أكرم هرقل والمقوقس كتابه بقي لهم ملكهم".

والحمية والغيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أن يلحقه أذى في حياته وبعد مماته من علامة تعظيمه ومحبته؛ وذلك من علامة الإيمان؛ كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ) لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (.

وإن من أعظم النصرة والحب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الإيمان به؛ واتباع ما جاء به من الهدى ودين الحق، واقتفاء سنته، ولزوم غرزه، والدعوة إلى ما جاء به من عند ربه تعالى، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 31، 32].

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره (2/ 32): هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ) مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ ( ولهذا قال: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ.

وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ .

فاتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والوقوف عند شرعه والانتهاء عند نهيه هو النصرة الحقيقة التي يسعد بها صلى الله عليه وسلم؛ وهذا هو مصداق ثناء الله تعالى على المؤمنين المقتدين به حين قال تعالى: ﴿ .. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157].

ولقد أحسن من قال:

أغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ

مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ ويُشْهَدُ

وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمهِ

إذا قَالَ في الخَمْسِ المُؤذِّنُ أشْهَدُ

 وإن الخروج عن هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفعل أفعالًا مخالفة لما جاء به ليس دليلًا على محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن من القياس الصحيح عند جميع العقلاء أن المحب يقتدي بمن يحبه ولا يخالفه؛ فضلًا عن أن يرتكب ما يبغضه أو يكرهه.

وما حصل في بعض ديار الإسلام من الاعتداء على قتل المعاهدين أو المستأمنين الذين لم يكن لهم علاقة بما حدث؛ جراء قيام شرذمة حقيرة من النيل في مقام النبوة هو من الظلم الذي لا تقره الشرائع؛ ولا العقول السوية؛ ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى و﴿ كل نفس بما كسبت رهينة، وإنما العدل أن يؤخذ الجناة ويطبق فيهم شرع الله تعالى.

لكن أن يكون حدث النيل من مقام النبوة سُلمًا لارتكاب ما نهى الله تعالى عنه ونهى عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو من السبل والطرق التي لم يرضها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فما عُبد الله تعالى ولا اتُّبع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل الوقوف عند حدودهما، ﴿ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.

وقد فقِه هذا الفقه العظيم صدّيق هذه الأمة وخيرها بعد نبيها صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق حينما عارضه عمر رضي الله عنهما في صلح النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين في الحديبية؛ فأمره الصديق أن لا يخرج عن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما أخرج البخاري في صحيحه: ) قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا، قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ، قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي»، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ»، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ»، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ، قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ، - قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ -: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا (.

فهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يقول عن نفسه أنه قد عمل أعمالًا صالحة يرجو ثوابها عند الله تعالى لعلها أن تكون سببًا لتكفير تلك الخطيئة التي عملها؛ وهي إبداء رأيه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول صلح الحديبية وأن الصلح فيه غضاضة على المسلمين.

فكيف يكون حال من يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صراحة، ويرتكب نهيه، ويقدم على ما يناقض قوله؟! ألا يكون هذا أولى بأن يتوب إلى الله تعالى ويستغفره، ويرجع ويلزم سنة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقتدي به؟!

إن قتل المعاهدين والمستأمنين في بلاد المسلمين والذين لم يرتكبوا ما يستوجب قتلهم لهو من المعاصي الوبيلة؛ والمخالفات الصريحة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما روى البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ) مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا (.
فهلّا أدرك الغيورون طريق النصرة الحقيقة؟؟!

فالتزام سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجتناب نهيه خير نصرة له؛ وذلك ما يغيظ أعداءه حقًّا، ويميتهم كمدًا..

 


عدد مرات القراءة (7858) عدد مرات التحميل (33) عدد مرات الإرسال (2)

4.8 ( 23 )
ملفات مرتبطة

النصرة الحقيقية
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: