البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
ملتقى الدعوة والدعاة
  أرسل مادة دعوية
  قضية دعوية
  استشارات دعوية
  مكتبة الدعوة
  تسجيلات صوتية
  أرشيف الدعوة والدعاة
الصفحة الرئيسة » ملتقى الدعوة والدعاة » مهارات الداعية » خطر الكبر على نجاح الدعوة
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
خطر الكبر على نجاح الدعوة
أبو معاذ محمد الطايع

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد بيّن القرآن الكريم أن من موانع نجاح الدعوة، وعوامل صد القلوب عن قبولها الكبر والترفع عن قبول الحق عند بعض المدعوين، كما قال -سبحانه وتعالى- عن أصحاب النار الذين اختاروا معاصي الله في الدنيا على طاعته، والكفر به على الإيمان: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (سورة الصافات: الآية 35).
حقيقة الكبر ودوافعه:
الكبر في أصله كما عرفه الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو: ) بطر الحق وغمط الناس (، أي: دفع الحق وإنكاره ترفعا وتجبرا، واحتقار الناس.
والكبر: صفة مكتسبة وخلقٌ طارئ غير جِبِلِّيّ، تعين على اكتسابه ظروف بيئية ونفسية.
قال -صلى الله عليه وسلم-: ).... والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم (، ومنشأ الكبر نفسيٌّ؛ فإذا ظهرت آثاره، وتعدت إلى الغير أصبح تكبرا.
ومن مظاهر الكبر: استعظام الإنسان نفسه، واستحسان ما فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس، واستصغارهم، والترفع على من يحب التواضع له.
والكبر من كبائر الذنوب والعياذ بالله وهو أول ذنب عُصِيَ الله به، كما قرره بعض السلف.
حديث القرآن عن خطر الكبر على الدعوة:
 وإن المتتبع لنصوص الدعوة في كتاب الله -سبحانه وتعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يجد أن الكبر أحد أهم العوائق التي عانى منها الرسل والأنبياء والدعاة في دعوتهم.
فهذا نوح -عليه السلام- يشتكي إلى ربه ومولاه من جفاء قومه وذوي قرابته وتكبرهم فيقول كما أخبر عنه الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (سورة نوح: الآية 7).
كما يخبر المولى -جل وعلا- عن حال قوم صالح -عليه السلام- وقومه حين آمنت طائفة منهم أعرضت طائفة بدافع الاستكبار والتعالي، قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (سورة الأعراف /75 ـ 77) .
كما عانى منه شعيب -عليه السلام- من قومه، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (سورة الأعراف /88) .
كما أدرك موسى -عليه السلام- سرّ إعراض فرعون عن الاستجابة لداعي الحق، وأنه الكبر والاستعلاء، فقال كما حكى عنه الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (سورة غافر /27).
كما يكشف القرآن الكريم للحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- السر وراء إعراض بعض المعرضين من قومه وغيرهم، وعلة كونهم (يدفعون الحق بالباطل ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة، بلا برهان ولا حجة من الله)، وأن الدافع وراء ذلك هو الكبر على اتباع الحق والاحتقار لمن جاء به، فقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (سورة غافر /56).
صور من التكبر على قبول الدعوة:
وقد حفلت نصوص الكتاب والسنة بشواهد عديدة تدل على معاناة النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجود الكبر في محيط قومه ومن يدعوهم من غيرهم؛ نذكر من ذلك:
تكبر أبي جهل:
وهو من أحد قرابة النبي –صلى الله عليه وسلم- الذي قال الله -سبحانه وتعالى- عنه: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (سورة العلق: الآيتان 6ـ7) ، قال القرطبي -رحمه الله-: ﴿الإنسان﴾ هنا: أبو جهل، والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان، ﴿أن رآه﴾: أي لأن رأى نفسه، ﴿استغنى﴾ : أي صار ذا مال وثروة… وقيل: استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، فكان كبره واستعلاؤه عائقا له عن قبول دعوة الحق.
تكبر الوليد بن المغيرة:
فحين سمع الوليد مطلع سورة فصلت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اشتد تأثره، وقال : (لقد سمعت كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأ الوليد! لتصبون قريش كلها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فمضى إليه حزينا، فقال: ما لي أراك حزينا؟ فقال له: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليد، وتكبر وقال: أنا أحتاج إلى كِسَر محمد وصاحبه؟ فأنتم تعرفون قدر مالي! واللات والعزى ما بي حاجة إلى ذلك، إنما أنتم تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه قط يُخنق؟ قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبا قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه تكهن قط؟ قالوا: لا والله، ولقد رأينا للكهنة أسجاعا وتخالجا، فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله. فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر…، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده، ومواليه؟ وذلك قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ.
من آثار الكبر على المدعو:
لعل من أشد آثار الكبر أنه يولد في نفس المدعو مواقف وسلوكيات تمنعه من قبول الدعوة، وتقف حجرا عثرة في طريق هدايته، نذكر من ذلك:
المجادلة بالباطل:
كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ.
الاستهزاء بالداعية والدعوة:
كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (سورة الأنبياء: الآية 36).
التمرد والعناد:
كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (سورة الإسراء: الآية 89) ، أي: أهل مكة أبوا إلا جحودا للحق وتمردا وعنادا.
الصدود عن الحق:
كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (سورة لقمان: الآية 7) .
معاداة الدعوة والدعاة:
وربما لجأ إلى قتل الداعية وإلحاق الأذى الجسدي به، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (سورة البقرة: الآية 87).
ومن هنا يتضح سر خطورة الكبر وشدة تحذير نصوص الكتاب والسنة منه، ووصفه بأنه ند للإيمان، وقسيم له، لا يجتمع معه في قلب واحد، قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (سورة السجدة / 15).
وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ) لا يدخل النار أحدٌ في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحدٌ في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء (.
كيف تتعامل مع التكبر حين تدعوه؟
أولا: بيان خطر الكبر وفضل التواضع:
عند مواجهة المدعو المتكبر ينبغي وعظه وتذكيره إجمالا بنصوص الوعد الواردة في التواضع وفضله وحسن عاقبته، ونصوص الوعيد الواردة في ذم الكبر وأهله وسوء عاقبة المتصفين به، من أمثال قوله -صلى الله عليه وسلم-: ) ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعّف، لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر ( .
كما يحسن تذكيره بسيَر المتواضعين وصفاتهم، وكيف رفع الله قدرهم في الدنيا وأعلى منزلتهم، وسيَر المتكبرين وصفاتهم وكيف باؤوا بالخذلان.
نقد الأسباب الدافعة للكبر:
ثم ينتقل الداعية إلى تذكير المتكبر تفصيليا بحقيقة العارض الذي دفعه إلى الكبر ومآله:
فمن تكبر لنسبه: ذُكِّرَ بأن أباه القريب نطفة مذرة من ماء مهين، وأباه البعيد من تراب، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ) إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بالآباء مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ أنتم بنو آدم وآدم من تراب لَيَدَعَنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو لَيَكُونُنَّ أهون على الله من الْجِعْلانِ التى تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ (.
ومن تكبّر لجماله: -وغالبا ما يكون في النساء- ذُكِّرَ بما يحمله من الأقذار في جميع أجزاء بدنه فماذا في أمعائه؟ وما الذي يحمل في مثانته؟ وعلى ماذا يشتمل أنفه وأذناه .. إلخ، ثم ما حال هذا الجمال لو ابتلاه الله بمرض جلدي أو انسكب عليه ما يشوه بشرته، بل ما حاله ثالث ليلة في القبر وقد سالت العينان على الوجنتين، وخرج الدود والصديد منهما ومن الأنف والفم … إلخ.
وكذلك يفعل الداعية مع من تكبر بقوته الجسدية، أو بغناه وكثرة ماله، أو بعلمه، أو حتى بورعه وعبادته ... إلخ، فإنه يعالج هذا العارض ببيان حقيقته ومآله مستنيرا بما ورد في النصوص وبما ورد عن السلف -رحمهم الله- في ذلك ، وهي ولله الحمد فيها العلاج لشتى أمراض القلوب، ودنايا النفوس، ولا ينس الداعية مع كل ما سبق التوكل على الله، وتفويض الأمر لله، والدعاء بهداية المدعو قدر ما يستطيع.
 والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


عدد مرات القراءة (6499) عدد مرات التحميل (19) عدد مرات الإرسال (0)

5 ( 5 )
ملفات مرتبطة

خطر الكبر على نجاح الدعوة
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: