البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
ملتقى الدعوة والدعاة
  أرسل مادة دعوية
  قضية دعوية
  استشارات دعوية
  مكتبة الدعوة
  تسجيلات صوتية
  أرشيف الدعوة والدعاة
الصفحة الرئيسة » ملتقى الدعوة والدعاة » مشكلات الدعوة » الثبات الثبات أيها الدعاة
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
الثبات الثبات أيها الدعاة
إعداد: أبو معاذ محمد الطايع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن الذي يسلك طريق الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- ويتصدى للفساد، يسمع بين الحين والحين بعض التهديد والوعيد، وعبارات الإرهاب التي يطلقها المفسدون في الأرض، ولو قاس قوته المجردة أمام قوتهم لوجد أنه لا يساوي شيئا أمام هذا المكر العظيم، ولكن عندما يفر إلى الله ويلجأ إليه ويلوذ ويعوعوا يفر إلى اللهيئا أمام هذا المكر ايد والوعذ به، يجد الله دائما في حفظه وكفايته وحمايته.

والله يضرب المثل في القرآن للدعاة، وقد تكرر ذلك كثيرًا مع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ولكن الله -سبحانه وتعالى- كان دائمًا يكفيهم شر المفسدين، وقد وعد وتأذن بأن ينصر عباده المؤمنين المتقين: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (سورة غافر آية 51 فهذا وعد منه -سبحانه وتعالى- للرسل والمؤمنين أن تتحقق أغراضهم وأهدافهم بالنصر والعواقب الحسنة، فإن الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، وهكذا لهم أحسن العواقب وأكرم الجزاء في الآخرة، بل إن هذه النصرة تشمل عوام الموحدين الدعاة لله، وليس فقط علماءهم، وقد قال الشيخ -رحمه الله- في "كشف الشبهات": (والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين، وهذا صحيح فإن عند العوام الذين علموا مسائل التوحيد، وأخذوها عن أهلها عندهم من الحجج، ووضوح البينات في ذلك ما ليس عند بعض المتعلمين).

وقال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  (سورة الحج آية 40)، وما دام الداعي المسلم ينصر الله أي ينصر دينه بالدعوة إليه، فعلى الداعي أن يتيقن ذلك ولا يشك فيه أبدًا. قال -صلى الله عليه وسلم- عند رجوعه من الطائف، وقد رده أهلها أسوأ رد، وكان معه زيد، قال - عليه الصلاة والسلام - لزيد: ) إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله تعالى ناصر دينه ومظهر نبيه (، والداعي لا ييأس أبدا لأن اليأس حرام أن يتسرب إلى القلب الموصول بالله، وإنما يدخل قلوب الكافرين المنقطعة صلتهم بالله، قال عز من قائل: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ   (سورة يوسف آية 87).

إن هذا الاتصال بالرب - جل جلاله - ضروري جدًّا للداعي المسلم، فيه تهون عليه الصعاب، وتخف الآلام، وتنتزع من قلبه الخشية من الناس، ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (سورة آل عمران آية 173). ويحس بعزة الإيمان لأنه موصول بالقوي العزيز: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (سورة المنافقون آية 8). فلا يعظم في عينه باطل ولا مبطل لأن الباطل وأهله من التافه الحقير فلا يمكن أن يعظم في أعين المؤمنين.

قال العلامة ابن القيم: «مِن الناس مَن يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء مقهورين مغلوبين دائما بخلاف من فارقهم إلى سبيل أخرى وطاعة أخرى فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده بل إما أن يجعل ذلك خاصا بطائفة دون طائفة أو بزمان دون زمان أو يجعله معلقا بالمشيئة وإن لم يصرح بها وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى ومن سوء الفهم في كتابه والله سبحانه بين في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة».

والله -عز وجل- ينصر عباده المؤمنين في قديم الدهر وحديثه في الدنيا ويقر أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري يقول الله - تبارك وتعالى -: ) من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب (، ولهذا أهلك الله قوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله - تعالى - من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحدًا، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدًا.

وهكذا نصر الله -سبحانه وتعالى- نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه على من خالفه وكذبه، وعاداه، فجعل كلمته هي العليا ودينه هو الظاهر على سائر الأديان.. ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر دين الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.

لذا فإن الواجب على كل مسلم - لا سيما الدعاة إلى الله - حسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- والإيمان بأنه سبحانه هو الذي ينصر عباده, وأن النصر بيده، وأن المنع والعطاء بيده والضرر والنفع, فهو -سبحانه وتعالى- القائل: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الروم آية 47)، وهو القائل - جل وعلا -: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة الأنفال آية 10)، وهو القائل - جل وعلا - فيما رواه عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ) أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني (، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ) لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله (. ويقول - جل وعلا -: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة المائدة آية 23)، ويقول - سبحانه -: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (سورة الطلاق آية 3)، أي: كافيه.

وهذا كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ينطقان بيننا بهذه الحقيقة.

أما في الكتاب، فقد قال - تعالى -: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (سورة التوبة آية 33). وقال: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (سورة الصف آية ( 8 - 9 ).

وقال: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (سورة الفتح آية 28).

فهذه الآيات وأمثالها تدل على انتصار الداعية، سواء أكان رسولا أو أحد المؤمنين، وهذا الانتصار يكون في الحياة الدنيا قبل الآخرة.

فيا معشر الدعاة.. ويا معشر العاملين في ساحة الإسلام: الله الله بالتفاؤل والأمل، فإن ما ترونه اليوم من كيد أعداء الإسلام ليس إلا سحابة سوداء سوف تنجلي عن قريب.. واعلموا أن ما أصاب الأمة من فتور وخور وترك مسايرة الركب والسبق به، إنما جاء من حصول إحباط ويأس استولى على القلوب.. فصححوا المفاهيم وأمِّلوا الأمة بالخير... أخي المسلم: لا تيأس فالنصر قادم.

كما وعد المؤمنين بالنصر: فقال - تعالى -: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (سورة الحج آية 39 - 40 ).

وقال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الروم آية 47). وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (سورة محمد آية 7).

وانظر منه - مثلا - سورة القصص، نزلت هذه السورة لتضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم، ولتبين أن هناك قوة واحدة مؤثرة في الكون ألا وهي قوة الله وحده وأن هناك قيمة واحدة في الكون هي قيمة الإيمان. وجاءت السورة لتقرر حقيقة مهمة ثابتة على مرّ العصور أن النصر لا يأتي بالضرورة مع الكثرة والقوة وأن النصر يأتي بأمر الله وحده فهو الناصر الذي ينصر عباده، فمن كانت معه قوة الله فلا خوف عليه، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع قوى الكون. ومن كتب الله عليه العذاب لا تنفعه كل استحكامات العالم.

ففرعون لما أخبره الكهنة بأن قتله سيكون على يد طفل من بني إسرائيل، استخدم نفوذه وجبروته وسلطانه في قتل الأطفال من بني إسرائيل ووضع الأعين من نساء مصر لكي يخبرنه عن أي مولود لم يصل إليه خبره ولكن يقظته وحذره وسلطانه وعيونه لم تمكنه من إزالة الخطر عن نفسه ولم تدفع عنه خطر الطفل الصغير المجرد من كل قوة إلا من قوة الله عز وجل فهي القوة الحقيقية في الكون، فكان هذا الطفل الذي تربى في حجر فرعون سببا في إنهاء جبروت فرعون وسلطانه.

ففي هذه الآيات أخبر -سبحانه وتعالى- أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين... لكن متى؟

إذا قاموا بنصرة دينه، إذا قاموا بما كلفوا به، إذا قاموا بواجب الدعوة إلى الله، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقد وعد الله المؤمنين باستخلافهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم، وأي أمل للمسلم فوق وعد الله عز وجل، وأي رجاء بعد ذلك للمؤمن الصادق يوم أن وعده الحق -سبحانه وتعالى- هذه بعض نصوص القرآن.

أما السنة النبوية فمنها ما أفاد التبشير المطلق بنصر الإسلام، ومن هذه المبشرات: الحديث المروي عن تميم الداري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ) ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام وذُلا يذل الله به الكفر (.

ويقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: ).. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون (.

فما سبق يفيد تذكير المؤمنين في كل زمان بأن النصر الذي وعدهم الله -سبحانه وتعالى- إياه حاصل لا محالة، وفيه إنذار للظالمين ولأعداء الإسلام بأن وعيد الله لهم لا مفرّ لهم منه، فالثقة واليقين بنصر الله سبيل الراشدين والفائزين بالنصر، ولا بد للمسلم أن لا يتأثر بما يوضع له من عراقيل، بل إن ذلك يزيده طموحا وتفاؤلا، لأنه واثق بنصر الله، فالمؤمنون هم المتفائلون، وغيرهم البائسون.

قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (سورة الصافات آية 173).

وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (سورة التوبة آية 33).

وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (سورة آل عمران آية 141).

وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (سورة آل عمران آية 179).

وإنَّ المتأمل في منهج الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وبخاصة في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه المؤمنين، ليرى هذه السنة الربانية واضحة وضوح الشمس، وذلك بما تعرض له المسلمون من الابتلاء والتمحيص في مكة والهجرة، والجهاد في سبيل الله -عز وجل- وأنهم لم يمكنوا إلا بعد أن ابتلوا ومحصوا.

والابتلاء الذي يتعرض له أصحاب الدعوة نوعان:

أ - ابتلاء عقوبة وتكفير وتنبيه:

وذلك عندما يحصلُ الخلل في واحدٍ من الأصول الثلاثة السابقة أو أكثر. فعندما يحصل الخلل في الفهم والمعتقد، أو في النية والمقصد، أو في وحدة الصف وتآلف القلوب، فإنَّ الله -عز وجل- قد يبتلي عباده هؤلاء ببعض العقوبات والابتلاءات لعلهم يرجعون ويراجعون أنفسهم، ويكفِّر الله -عز وجل- عنهم بهذه العقوبات سيئاتهم.

ب - ابتلاء تمحيص وتمييز للصفوف:

وهذا النوع من الابتلاء هو الذي نقصده في هذا الأصل، وهو الذي يتعرض له أصحاب الفهم الصحيح، والقصد الحسن والصف الموحد، والحكمة منه تمحيص القلوب، وتمييز الصفوف مما قد يكون فيها من المنافقين وأصحاب القلوب المريضة، والذين يكون ضررهم شديدًا على الدعوة فيما لو بقوا مندسين في الصفوف ولم يعرف شأنهم، فيقدر الله -عز وجل- مثل هذا النوع من الابتلاءات ليتميز المؤمن الصادق من غيره، ويزيد الله -عز وجل- به المؤمنين إيمانًا وثباتًا وصلابة في إيمانهم، قال الله -عز وجل- عن المؤمنين في غزوة الأحزاب عندما رأوا الشدائد والأهوال: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (سورة الأحزاب آية 22).

وقال عن المنافقين الذين نجم نفاقهم عند الابتلاء: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (سورة الأحزاب آية 12).

فما زادت الشدائد المؤمنين إلا إيمانًا وتسليمًا، وما زادت المنافقين إلا مرضًا، وأخرج الله بها ما في قلوبهم من النفاق والكذب والذي ما كان ليعرف في حال السلم والأمان.

وإنَّ فترات التمحيص والابتلاءات لمن أشدِّ فترات الدعوة على أهلها، فهي تحتاج إلى جهدٍ عظيم من التعليم والتربية والعبادة، والتواصي على الحق والتواصي بالصبر والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ومن علم الله -عز وجل- صحة فهمه وحسن قصده، وعمله الصالح وحرصه على الوحدة والاجتماع، فإنَّهُ - سبحانه - يثبته ويخرج من الابتلاءات وقد قوي إيمانه، وصلب عوده. وعلى مثل هؤلاء ينزل نصر الله تعالى ويقوم عز الإسلام.

وبقيت مسألةٌ مهمةٌ تتعلقُ بالتميز، ألا وهي ضرورة تميز أصحابِ الدعوات الذين يريدون التمكين لدين الله - تعالى - عمن حولهم، ممن ابتعدوا عن الدين وتعاليمه، وظهور ذلك في تصوراتهم وأفهامهم، وفي عبادتهم وسلوكهم، وفي دعوتهم وصبرهم وتضحيتهم.

وعليهم أن يوصلوا ما يحملونه من علمٍ ودعوةٍ إلى طبقات الناس قدر استطاعتهم، حتى يتم البلاغ وتقوم الحجة، ويُعرف أصحاب الدعوة بين الناس بمنهجهم الواضح وأهدافهم العالية، ومن أهم ما يقومُ به أصحاب الدعوة حتى يحصل التميز القيام بفضحهم للباطل وأهله، وتبيين سبيل المجرمين للناس حتى لا تختلط عليهم الأمور ويلتبس الحق بالباطل، وما لم يتم هذا البيان فإنَّ الناس المضللون قد يُستخدمون في مواجهة أصحاب الدعوة لعدم وضوحهم ووضوح دعوتهم في مجتمعات الناس، وذلك بما يستخدمه أعداء الدعوة من تضليل وتلبيس للناس، سواء في تشويه أهل الدعوة وإظهارهم للناس بمظهر المفسدين والمهيجين للفتن، أو بما يضفونه على أنفسهم من أنهم أصحاب الحق وحماته.

فما لم يحصل البلاغ الكافي، والذي يتميز فيه الحق من الباطل، ويزول التلبيس والتضليل، فإنَّ هذا الأصل أعني أصل التميز لم يتحقق بعد، وعلى الدعاة الصبر والتأني، وبذل الأسباب في تحقيقه قدر الاستطاعة، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وحتى يعطي الواحد من الناس ولاءه لمن يختاره من أهل الحق أو الباطل عن علم وبينة وطواعية. قد يبطئ النصر لأسباب كثيرة جدًّا، ولكنه آت بإذن الله تعالى في نهاية المطاف مهما رصد الباطل وأهله من قوى الحديد والنار، ونحن لا نقول ذلك رجما بالغيب ولا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح كلا، ولكنه القرآن الكريم يتحدث، والرسول الصادق الأمين يبشر، والتاريخ والواقع يشهد.

إن أمة الإسلام تعيش فرقةً واختلافًا وتباينًا في الآراء مما مكَّن الأعداء من مرادهم، فليحذر المسلمون ذلك، وليتقوا الله، وليصحِّحوا أوضاعهم، وليعلموا أنه لا نجاة لهم من عدوهم ومكائد عدوهم إلا برجوعٍ إلى الله، وتمسك بدين الله، واعتصامٍ بحبل الله، وتعاون على البر والتقوى، ﴿ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ (سورة المائدة آية 52).

إن أمة الإسلام اليوم في بلاء وامتحان، وما ذاك إلا بإعراضهم عن دين الله، ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (سورة فصلت آية 46)، فالعدو المأفون إذا قوبل بالإيمان الصادق والعزيمة الصادقة والإخلاص لله فإنه أذلّ خلق الله، ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (سورة آل عمران آية 112).

فالله ناصرٌ لدينه، وناصر لأوليائه إن صدقوا الله، وقويت عزائمُهم، وصدقت نواياهم، وابتعدوا عن معاصي الله، فإن مخالفةَ شرع الله وارتكابَ محارم الله أعظمُ من نكاية العدو عليهم، فليقابلوا عدوَّهم بالإيمان الصادق، والثقة بالله، والبعد عن محارم الله، والله لا بد أن ينصر دينه، وإن ابتلي العباد أحيانا فالعاقبة للمتقين. جعلني الله وإياكم من المتقين في الأقوال والأعمال.

هذا، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، وعلى أتباعه بإحسان إلى يوم الدين.


عدد مرات القراءة (8457) عدد مرات التحميل (47) عدد مرات الإرسال (0)

2.1 ( 10 )
ملفات مرتبطة

الثبات الثبات أيها الدعاة
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: