البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
العلم

  اقترح موضوعا
  أرسل مادة
 
الصفحة الرئيسة » العلم » طلب العلم » محاضرة عن أهمية العلم الشرعي
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
محاضرة عن أهمية العلم الشرعي
الشيخ صالح بن فوزان الفوزان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فنشكر الله -سبحانه وتعالى- أولًا وقبل كل شيء، أن يسَّر هذا اللقاءَ، في بداية هذه الدورةِ المباركة، ثم نشكُر من نظَّمها ورتَّبها، وعلى رأسِهم مديرُ المكتب التعاوني للدعوة، وهذا المكتبُ مُمَثِّلٌ لوزارة الشؤون الإسلامية للدعوة والإرشاد.

والدوراتُ العلمية لها أثرٌ كبيرٌ -ولله الحمد- في سائر مناطق المملكة، لأنها يتولَّاها نخبةٌ من أهل العلم، يُلْقُون فيها أنواعًا من العلوم الشرعية، وهذا خيرٌ كثيرٌ لمن وفَّقَه الله لحضوره، واغتنامِه والاستفادةِ منه؛ فإن العلمَ هو الحياةُ، والله –جل وعلا- خلق الإنسان لعبادته، وأمره بتوحيدِه وطاعتِه، ولا يتحقَّقُ العملُ الذي يُرْضِي اللهَ -سبحانه وتعالى- ويُنْجِي العبدَ في الدنيا والآخرةِ إلا بتعلُّم العلم النافع؛ لأن العملَ بدون علمٍ ضلالٌ.

ولهذا هلكت النصارى ومَن شابههم، ممن يَعْمَلون بغير علم، فسماهم الله -سبحانه وتعالى- بـ«الضالين»، لأنهم يعبدون الله على جهلٍ وضلالٍ، كالذي يسير في الطريق وهو لا يعرفه، ولا يدري ما أمامه، فإنه يَهْلِك بغير شك، كذلك الذي يعمل ويعبدُ الله ويجتهد لكنَّه بغير علم، فهذا يسيرُ على غير طريقٍ، وعلى غير صراط الله -سبحانه وتعالى-.

كما أن مَن اقتصر على العِلم بدون عمل فإن الله –جل وعلا- يغضب عليه؛ لأنه قامتْ عليه الحُجَّةُ فلم يعمَلْ بها، كاليهودِ ومَن سَار على نهجهم من علماء الضلال.

وأمَّا أهلُ النجاةِ فهم أهل الصراط المستقيم، وأهلُه هم الذين أنعمَ الله عليهم، مِن النبيين والصِّدِيقينَ والشهداءِ والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا؛ ولهذا فَرَض اللهُ علينا أن نَقْرَأَ سورة الفاتحة في كل ركعةٍ من صَلَوَاتِنا، فريضةً كانتْ أو نافلةً، وفي آخرِها قولُه تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم [الفاتحة: 6] يعني المعتدل، ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم [الفاتحة: 7]، وهم الذين جَمَعُوا بين العِلم النَّافع والْعَمَل الصَّالِح، هؤلاء هُمْ أهلُ الصِّراط المستقيم، لم يأخذوا العلمَ ويَتْرُكوا العَمَلَ، ولم يأْخُذوا العَملَ ويتركوا العلمَ، بل جَمَعُوا بينهما فصاروا يَعْبُدون الله ويعملون على هُدَىً، وعلى صراط مستقيم، أي طريق واضح يُوَصّل إلى الله وإلى جنته، ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم [الفاتحة: 7] أي غير طريق المغضوب عليهم وغير صراطهم، وهم الذي أخذوا العلم وتركوا العملَ كاليهود ومَن شابههم من علماء الضلال، ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 7]، أي وغير صراط الضالين، وهم الذي أخذوا العملَ وتركوا العلم، فهم جاهلون في العلم، كالنصارى والصوفية وجهلة العباد يَنْهَوْن عن تعلُّم العلم، ويأمرون بالعملِ والعبادة بدون علم، وهذا شيءٌ مُشَاهَدٌ من أَحْوَالهم، بِِلْ إنهم يُحْرِقُون كُتَبَ العلم إذا تَمَكَّنُوا منها، ويُحْرِقون كتبَ أهلِ السنة والجماعةِ، ويقولون للنَّاسِ اشتغلوا بالْعَمَلِ واتركوا العلم، وهذا ضَلالٌ والعياذ بالله، وهذا مصيرُه إلى النار.

فإذن الجنة لا تُدْخَل إلا بعمل، ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: 32]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: 107، 108]، فالذين آمنوا وعَمِلوا الصَّالِحَات استحقوا هذا بالعلمِ النَّافِع بعد الإيمان بالله -عز وجل-، فالعمَلُ الذي يُوَصِّل إلى الجنة لا بد أن يكون مُؤسَّسًا على علم شرعي من كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولا يقوم بهذا العلم ويعلمه للناس إلا العلماء، المستقيمون على طاعة الله، هم الذين يبينون للناس ويعلمونهم أمور دينهم ودنياهم، فالعلم لا يؤخذ عن الكتب والقراءة، ولا يؤخذ عن الجهال والمتعالمين، ولا يؤخذ عن لعماء الضلال والبدعة، وإنما يؤخذ العلم عن العلماء الربانيين، قول الله –جل وعلا-: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: 79]، ربانيين: أي لله -عز وجل- على كتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وليس عن قول فلان وعلان، واستحسان فلان، وذوق فلان، بل على موجب الكتاب والسنة، وهذا لا يقوم به إلا الراسخون في العلم، الذي ورثوا العم عن أهله، وتعلموا أولا ثم علَّموا بعدما تعلموا، فهم حملة العلم، وهم المعلمون، والصادقون الصالحون، هؤلاء يؤخذ عنهم العلم ثم يعمل به.

والعلم لا يحصل بدون تعب، وبدون طلب، بل لا بد من طلب العلم، أينما وجد، ولا بد من التعب في تحصيله، وهو في سبيل الله -عز وجل-، قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» ، فالعلم النافع هو الطريق إلى الجنة، وهذا العلم النافع إنما هو في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يؤخذ إلا عن أهله المعروفين به، الذي تلقوه عمن قبلهم، وألقوه على من بعدهم، وتوارثه المسلمون، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: فـ) إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرِثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ، أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ (.

فالعلم لا يشبع منه، ولهذا قال الله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114]، ولم يأمره بالزيادة من شيء إلا من العلم، وهو ميراث الأنبياء والمرسلين، وحَمَلَتُه هم ورثة الأنبياء والمرسلين، ويُتَلَقَّى العلمُ عنهم؛ ولذلك حرصت مكاتب الدعوة على إنشاء هذه الدورات العلمية، وإن كانت مدتُها قصيرة لكنها تفتح الأبوابَ للمسلمين، وإذا وجد هنا دورة وهناك دورة، فإنه يحصل الخير الكثير، لمن وفَّقه الله -سبحانه وتعالى- وحضر هذه الدورات، واستفاد منها، والعلم ليس له حدٌّ يُنْتَهى إليه، وإنما كل يأخذ منه على قدر ما وفقه الله وأراده الله له، وإلا فالله جل وعلا يقول: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]، ولكن هذا القليلَ إذا كان عِلْمًا صحيحًا فهو مبارك ونافع، فليست العبرة بكثرة العلم، ولكنَّ العبرةَ بنوعية العلم، والعبرةَ بالعمل بهذا العلم، «مَنْ عَمِلَ بما عَلِم أورَثَه الله عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَم» ، كما في الأثر، فإن العلمَ ينمو ويَزْداد مع العمل ويرحل مع ترك العمل، فالعلم لا ينمو ولا يبقى ولا يستفيد منه صاحبُه إلا بالعمل الصالح.

وكل الناس بحاجة إلى العلم، وكلُّ المسلمين كذلك، أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب والهواء؛ لأن العلمَ تَحْيَا به القلوب، وتستنير به البصائر، ويدُلّ على الله، وعلى جنتِه، فهو ألْزَمُ من الطعام والشراب والهواء؛ لأنَّ هذه كلَّها مغذيةٌ للأبدان، وأما العلمُ فهو مُغَذٍّ للقلب والبصيرةِ، فالنَّاس أحوَجُ للعلم من حاجتهم للطعام والشراب؛ لأنَّ الإنسانَ وإنْ أَكَل وشَرِب من أنواع الفواكهِ والأشربةِ والأطعمةِ فإنما يُنَمِّي جِسْمَه فقط، وأما إذا تعلَّم الْعِلْمَ النَّافِع وعمل به فإنما يُغَذِّي قلبَه، بما يؤهله لعبادة الله وحده لا شريك له، فلا بُدَّ من تعلُّمِ الْعِلْم، ما يُعْفَى أحدٌ من تعلُّم العلم، على قدر ما يَسَّره الله له، لا يَبْقَ الإنسانُ على جهله ويقول: (أنا جاهل ومعذور بالجهل)، بل إنه غير معذور بالجهل ما دام عنده مجالٌ لِتَعَلُّم الْعِلْمِ -ولو قليلا-، فإنك لست معذورًا أمام الله -سبحانه وتعالى-.

فهذه الدوراتُ العلميةُ في الحقيقة مشاريعُ عظيمةٌ ومفيدةٌ، نُوْصِي بحضورها أَيْنَما وُجِدَتْ، ومتابعتِها مهما أمكن، فإنَّها هي الحياةُ لمن وفَّقَه الله -سبحانه وتعالى-.

والعلم على نوعين:

أولا: علم يحتاجه المسلمون عمومًا، لعباداتهم ومعاملاتهم وأقْضِِيَتهم، ومشكلاتهم وخصوماتهم، فلا بد من العلم الشرعيِّ؛ لأنَّ الله -عز وجل- أنْزَل هذا العلمَ لِيَكُون حَكَمًا بين الناس فيما يختلفون فيه، ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: 213]، ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: 10]، ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59]، والرّدُّ إلى الله هو الرَّدُّ إلى كتابِ الله، والرَّدُّ إلى الرسولِ هو الرَّدُّ إلى سنةِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم-، ولا يَعْلَمُ الكتابَ والسنةَ إلا العلماءُ، هم الذين يعرفون الأحكامَ الشرعيَّةَ من الأدلةِ التفصيليةِ مِن كتاب الله وسنةِ رسولِهِ -صلى الله عليه وسلم-.

والله أخَذ الميثاق على العلماء أن يبينوا للناس ولا يكتمونه، ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه [آل عمران: 187]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ  إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: 159، 160]، فهذا ميثاقٌ أخَذَهُ اللهُ على العلماءِ لِيبَيِّنوا للناس.

كما أوجب على العوام والجهال أن يتعلموا ولا يبقوا في جهلهم.

فالعلم على نوعين:

علم يحتاج إليه كل مسلم، ولا يستغني عنه مسلم، وهو تعلُّم أحكام عقيدته وأحكام صلاته، وأحكام زكاته، وأحكام صيامه، وأحكام حَجِّه وعمرته، أركان الإسلام الخمسة، لا بد للإنسان أن يتعلَّمها، وهذا الْعِلْمُ فرضٌ على كل مسلم ومسلمة. أن يتعلم هذه الأركان الخمسة التي لا يستقيم دينُه إلا بها، ولا يبقى في جهلِه، ولا يقول لنا: ما تعلَّمْتُ، فالله يسَّر لك العلم.

مثلا هذه الدورات، فهي مما يسره الله لبعاده، ومثلا المدارس مفتوحة، والمعاهد مفتوحة، والكليات الشرعية مفتوحة، والمساجد مفتوحة وفيها العلماء، قل مَسْجِدٌ إلا وفيه مَنْ يُبَيِّن للناسِ على قدر ما يسَّر الله.

لكن الشأن في الاهتمام وطلب العلم وأنك تهتَمُّ بدينك، تطلُبُ العلمَ على أهل العلم، ولا تَبْقَ في جهلِك، وإلا ستكون على طريقٍ غير مستقيم، وطريقٍ ضالٍّ، فاللهُ لم يُبْقِ لنا حُجَّةً، بل إنَّه -سبحانه وتعالى- أَقامَ الحُجَّةَ علينا.

فهذا هو النوع الأول: ما لا يَسْتِقيم دين المسلم إلا به، كتَعَلُّمِ أركان الإسلام الخمسةِ، كل مسلم يجب عليه أن يتعلم هذه الأركان الخمسة، وما تتطلبه من علم ليعمل؛ على بصيرة، وليعمل على علم، ولا يعمل على جهل ولا تقليد، فهذا لا ينفعه عند الله -عز وجل-.

وهذا النوع يجب على كل مسلم ومسلمة، على كل حر وعبد، وعلى كل صغير وكبير، فيتعلموا هذا الحد من العلم.

أما النوع الثاني: فهو ما يحتاجه الناس عمومًا، وقد لا يحتاجه كل أحد، وإنما يحتاجونه عمومًا، مثل تعلم أحكام المعاملات، وأحكام الأنكحة، وأحكام الأطعمة والأشربة، وأحكام الأقضية والخصومات، وأحكام الآداب الشرعية العامة، فهذه قد لا يتيسر لكثير من الناس أن يتعلموها، ولكن إذا تعلمها من المسلمين من يقوم بحاجة الناس، فإنه يكفي، وهذا يسمى بفرض الكفاية، إذا قام به من يكفي من الناس فإنه يبقى في حق البقية سنة، من أفضل السنن.

والله -جل وعلا- قال: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: 122]، يعني كلهم يروحون لطلب العلم الذي هو النوع الثاني، فهذا لا يتيسَّر لكل الناس، ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَة [التوبة: 122]، أي كل قبيلة أو كل بلد أو اجتماع مسلم يذهب منه أفراد من شبابهم ومن أذكيائهم يتلقون هذا العلم وهذا التفصيل بما يشكل على الناس في مواريثهم، في معاملاتهم، في أنكحتهم وزواجاتهم، في خصوماتهم... إلى آخره، فإذا تيسر ذلك ولا بد أن يتيسر للأمة، ولا يجوز لها أن تتركه، ويجب على ولاة الأمور أن يفتحوا له المؤسسات العلميةَ، ويُعينوا لهم مدرسين، ثم من كان عنده استعداد يلتحق في طلب هذا العلم. ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون [التوبة: 122].

كانت القبائل على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- يسلمون، ثم يذهب نهم من شبابهم وأفرادهم إلى المدينة ليصلوا معه، ويتعلموا منه صلاته، ويسمعوا إلى دروسه ومواعظه وتعليمه، ثم إذا لبثوا مدة كافية راجعوا إلى قومهم بما حصلوا من العلم فنشروه في قومهم.

فهذا هو سبيل المسلمين من عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا بد من العلم بنوعيه، فرض العين، وفرض الكفاية، فإذا تركته الأمة هلكت، وضاعت، ولكن –والحمد لله- لا يزال هذا الخير موجودا، ولما ضعفت العناية بدروس العلم في المساجد والحلقات التي كانت متوفرة فيما سبق يسر الله هذه المدارس الإسلامية والمعاهد العلمية وكليات الشرعية، فيسر الله وجودها للمسلمين، فالتحق بها شباب المسلمين، وسدوا حاجة المسلمين.

ثم ما يحصل من هذه الدورات والحلقات العلمية، فيه خير كثير –ولله الحمد والمنة-، وهذا فيه إقامة الحجة على العباد، وهو من معجزات الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لأن الله بعثه للناس كافة، للعرب والعجم، والجن والإنس، بشيرا ونذيرا، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: 34]، ثم توفاه الله -عز وجل-، وخلفه من بعده صحابته الكرام الذين قاموا بهذا العلم وهذا الجهاد في سبيل الله، حتى نشروا العلم ونشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ثم جاء جيل التابعين من بعد الصحابة، ثم جاء جيل أتباع التابعين، والقرون المفضلة، ثم توالى الخير في الأمة ولله الحمد.

ولما كثر الشر والفتن، فإن الله -سبحانه وتعالى- تكفل بأن يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها ، فبعث الله المجددين من الأئمة، والدعاة إلى الله، فقاموا بالدعوة إلى الله والتعليم، فنفع الله بهم، وخذ على سبيل المثال هذه البلاد، كانت في الأول مثل البلاد الأخرى فيها مسلمون، لكن فيها جهل، وفيها عقائد فاسدة، وفيها شركيات وبدع، فيسر الله أن بعث لها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، فهو من المجددين الذين وعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة، فهو من المجددين في هذه البلاد وفي غيرها، فقام بنشر التوحيد والعقيدة، وتعليم الناس العلم النافع المأخوذ من الكتاب والسنة، لا من التقليد واتباع من كان قبلهم بدون بصير، بل بموجب الكتاب والسنة، فعاداه من عاداه وضايقه من ضايقه، ولكنه صبر واستمر على دعوته، ويسر الله له من ولاة الأمور من آل سعود من ساعده، وحماه من أعدائه وجاهد معه، حتى حصلت هذه النعمة في هذه البلاد، ولا تزال ولله الحمد، ونسأل الله أن تستمر، في هذه البلاد، بلاد الحرمين، ومهبط الوحي، ومبعث الرسالة، وقبلة المسلمين، يفد إليها المسلمون في الحج والعمرة، من أقطار الأرض، فالله –جل وعلا- اختار لها في الأزمنة المتأخرة هذه الدعوة المباركة، فأثمرت وأنتجت –ولله الحمد-، وصار المسلمون يأتون إليها ويستفيدون، ويذهبون إلى بلادهم بالعلم والعقيدة الصحيحة، والعمل الصالح، ويعلمون من خلفهم، فانتشر الدين، وانتشر هذا الخير.

وهذه الدورات العلمية هي من آثار دعوة الشيخ -رحمه الله-، لأنها تسير على منهجه، وعلى طريقه، فهي وارثة لهذه الدعوة المباركة، وهذا من تيسير الله -عز وجل-، ومن إقامة الحجة على العباد، ومما خص به هذه البلاد ولله الحمد، والبلاد الأخرى من بلاد المسلمين فهي فيها الخير أيضًا، ولكن هذه البلاد بالذات لأنها قلب العالم الإسلامي، لها مزيد اهتمام، ومزيد من العناية؛ لأن الخير يصدر منها، والمسلمون يرجعون إليها، والحمد لله أن يسر لهذه البلاد هذا الخير العظيم المتوارث، والمتواصل، ونسأل الله أن يستمر، ولكنه لا يستمر إلا بالجهود المباركة، والتعاون على البر والتقوى، فيجب أن نشجع هذه الدورات، ويجب أن نحضرها، ويجب أن نتناقل ما يلقى فيها من الخير، والحمد لله من تيسير الله أنه أوجد هذه الوسائل التي تحفظ ما يلقى في هذه الدورات بواسطة التسجيل، والأشرطة، والمواقع الدعوية المباركة، فالخير ينتشر، أنت تتكلم الآن في هذا المسجد وأمثاله، ويسمعك من بالمشرق والمغرب، بواسطة وسائل التقنية الحديثة، وهذا من تيسير الله -عز وجل-، ومن آياته -سبحانه وتعالى-؛ لئلا يأتي يوم القيامة من يقول أنا مر عرفت، ولا سمعت أن هناك إسلاما ولا عرفت ببعثة الرسول، ولا سمعت القرآن، الله –جل وعلا- أقام الحجة على العباد، فصارت الكلمة الطيبة تبلغ المشارق والمغارب في لحظة واحدة، وتنتشر هذه المسجَّلات وهذه المطبوعات في كل البلاد، ينتفع بها من شاء الله أن ينتفع، وتقوم الحجة على من لم ينتفع، ورفضها، فتقوم عليه حجة الله -سبحانه وتعالى-، ﴿ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير [المائدة: 19]، فبلغت هذه الحجة للعالم الآن، القرآن يتلى في الإذاعات بأرفع صوت، وينتشر فيسمعه القاصي والداني، والأحاديث النبوية تُقرأ، وتُبَلغ للناس علانية، يسمعها من قرب ومن بعد، وقد يسمعها البعيد أكثر من القريب؛ ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165]، فبلغ هذا الدين مبلغ الليل والنهار، ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه [التوبة: 33]، فظهر دين الله على الدين على سائر الأديان، وبلغ المشارق والمغارب، ولا يزال ولله الحمد، وهذه الدورات المباركة هي من هذا المشروع العظيم الذي هو مشروع تبليغ الدعوة إلى الناس، ونشر العلم إلى الناس، فالحاضر يبلغ الغائب، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع».

فنحمد الله -عز وجل- أن أبقى هذه الحجة وهذا العلم ليحيا من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، فالحمد لله رب العالمين، ونسأل الله أن يوفق القائمين على هذه الدورات المباركة أن يوفقهم لمواصلتها وتكرارها، ونقلها من مكان إلى مكان محتاج إليها؛ لينتفع بها العباد، وينتشر الخير، فمثلا هذه المحاضرة تُقام هذه الدورة في هذا المسجد هذه المرة، والمرة القادمة تُقام في مسجد ببلد آخر، ثم في مسجد ثالث، وهكذا حتى ينتشر الخير في البلد كلها، فتكون هذه الدورات هي من العلم النافع الذي هو ميراث الأنبياء، والعلم القليل مع العمل الصالح يتبارك، أي يجعل الله فيه البركة، وليست العبرة بكثرة العلم ولكن العبرة بالعمل الصالح المبني على علم صحيح، وهذا يحصل منه الخير الكثير للمسلمين، فنقول بارك الله في هذه الدورات، وكتب الأجر لمن قاموا عليها، ومولوها، وتعاهدوها، ونسأل الله لهم المزيد من نشر العلم، ونشر هذه الدورات في أرجاء البلاد، لينتفع بها كل من حضرها، وكل من سمع بها، وكل من بلغته، ويكون الأجر لمن قاموا عليها، وأوجدوها، أكثر من أجر غيرهم، وهذا من تبليغ العلم للناس، وإقامة الحجة على الناس، والحمد لله رب العالمين، ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يعين الذين ينشرون العلم النافع بأي من الوسائل، فالعلم يسر لمن وفقه الله وتلقاه وقبله، ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17].

العلم يسر ولله الحمد، وكل وقت ييسر الله له من الوسائل ما ينشره، مثل ما ذكرنا أنه في هذا الزمان، أوجد الله وسائل تنشر العلم في أسرع لحظة على الناس، والشأن أننا نهتم بالقيام بنشر هذا العلم، وإلا فالوسائل ممكنة وميسرة، ولله الحمد، والشأن أيضا ليس في أننا نعلم الشيء ولكن الشأن في العمل، فإذا علمت شيئا فاعمل به، وإلا فإنه يكون حجة عليك إن بقي، وإلا فهو على سبيل الزوال، ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: «اعلم أن الله أوجب علينا تعلم أربع مسائل، والعمل بهن» ، وهذه المسائل الأربع في سورة العصر، وهي التي يحفظها كل واحد من المسلمين، فيحفظها الكبير والصغير، البدوي والحضري، كلهم يحفظون سورة العصر، وفيها هذه المسائل الأربع التي إذا تحققت تحققت السعادة، وإذا فقدت أو فقد شيء منها ضاعت السعادة وخسر الإنسان، فيقول تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر [العصر: 1، 2] أي كل إنسان، من الملوك، والتجار، والعلماء، والذكور والإناث، والأحرار والعبيد، فكل إنسان فهو خاسر إلا من اتصف بأربع مسائل، ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 3].

فالمسألة الأولى هي الإيمان، والإيمان لا يتحقق إلا بالعلم، والعلم لا يتحقق إلا بتعلمه.

والمسالة الثانية وهي عمل الصالحات، فلا يكفي العلم، بل لا بد من العمل، ولم يقل عملوا فقط، بل قال عملوا الصالحات، فلا بد أن يكون العمل صالحا، لأن أكثر الأعمال فاسدة، فإذا لم تكن على كتاب الله وسنة رسوله، فهي فاسدة، تعب بلا فائدة.

والمسألة الثالثة هي أن يتواصوا بالحق، فلا يكفي الإيمان وعمل الصالحات وحده، بل لا بد أن يتواصوا بالحق، فلا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابد أن يعلموا الناس العلم النافع، فهذا من التواصي بالحق، ما يكفي أنك تصلح في نفسك وتترك الناس بدون أن تعلمهم، وأن تبلغهم، وأن تنذرهم، لا بد أن تصلح في نفسك ثم تسعى في إصلاح غيرك.

والمسألة الرابعة في التواصي بالصبر، لأن الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق لا بد فيها كلها من المشقة، ولا بد أن ينالك من الناس ما ينالك من الأذى، فعليك بالصبر، والصبر معناه حبس النفس عن الجزع، وحبسها عن الكسل؛ فإن بعض الناس ينشط في تعليم العلم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إذا تعرض لأي مشقة أو لأي اعتراض أو لأي مجادل بالباطل توقف عن الدعوة وانقطع عنها، واقل ليس عليَّ إلا نفسي، بل لا بد من الصبر، ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور [لقمان: 17]، فلا بد من الصبر والتحمل على التعب، وعلى لوم الناس، وعلى العراقيل، وعلى ملل النفس.

ويقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد»، فالجسد لو كان متعافيا متكاملا وضخما، إذا أزيل رأسه فإنه لا تبقى فيه حياة، ويفنى، وكذلك الدين الذي ليس معه صبر لا يثبت ويزول.

وقد وجدنا أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، ألا فلا دين لمن صبر له، فلا بد من الصبر، لقوله تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 3]، فالحياة الدنيا قليلة، ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيل [النساء: 77]، ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127]، فاصبر قليلا ثم تفوز فوزا دائما وأبدا، وإذا لم تصبر خسرت الدنيا والآخرة.
فنسأل الله لنا وإياكم أن يوفقنا لصالح العمل، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص لوجهه -سبحانه وتعالى-، والثبات على السنة، وترك البدع والمحدثات، فإن العمل لا يكون صالحا إلا إذا توفر فيه شرطان:

الشرط الأول: الإخلاص لله -عز وجل-.
الشرط الثاني: المتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم-.

قال تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة: 112]، فالإسلام هذا هو الشرط الأول، وهو الإخلاص، والإحسان هو ابتاع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة: 100]، أي اتبعوهم بإتقان، وليس بالدعوة فقط قائلا أنا سلفي، أنا على مذهب السلف، وإذا سألته عن مذهب السلف فهو لا يدري عنه شيئا، فهذا ليس سلفيا، ولا يكون سلفيا إلا من علم مذهب السلف واتبعهم فيه، فمن يريد أن يكون على مذهب السلف فعليه أن يتعلمه، حتى يتمسك به ويسير عليه.

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.


عدد مرات القراءة (21314) عدد مرات التحميل (79) عدد مرات الإرسال (0)

4 ( 55 )
ملفات مرتبطة

محاضرة عن أهمية العلم الشرعي
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: