عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
كتب الرحالة العبودي حول العالم
الصفحة الرئيسة » كتب الرحالة العبودي حول العالم » كتب الرحالة العبودي في آسيا » نظرات في شمال الهند - الجزء الأول
حجم الخط:
HyperLink
HyperLink
HyperLink
 
نظرات في شمال الهند - الجزء الأول
بقلم محمد بن ناصر العبودي

الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الذي دعا إلى الحق المبين، وعلى سائر الهداة المخلصين للدين الحق المبين السابقين منهم واللاحقين.
أما بعد:

فإن هذا الكتاب يتحدث عن مواضع في شمال الهند، زرت بعضها زيارة مقصودة لذاتها، وزرت بعضها مرورا في الطريق إلى مناطق أخرى في الهند، وكنت أزمعت أول الأمر أن أجعل جميع ما أكتبه في الرحلات عن الهند كتابا واحدا، ولكنني وجدت أنها كثرت بحيث لا يحتملها كتاب واحد، بل إن بعضها أصبح كتابين بعد أن كان كتابا واحدا، وهذه الكتب هي:

- (نظرات في شمال الهند) وهو هذا الكتاب.
- (في الشمال الشرقي من الهند) وهو مطبوع.
- (وسط الهند) لا يزال مخطوطا.
- (جنوب الهند) وهو مطبوع.
- (غرب الهند) وهو مطبوع.
- (راجستان بلاد الملوك) وهو مطبوع.
- (الاعتبار في السفر إلى مليبار) وهو مطبوع.
- (في الشمال الغربي من الهند) لا يزال مخطوطا.
- (شرق الهند) وهو مطبوع.
- (سياحة إلى كشمير) وهو مطبوع.
- (على أعتاب الهملايا) ولا يزال مخطوطا.
- (مقال في بلاد البنغال) وهو مطبوع.

فهذه اثنا عشر كتابا عن بلاد الهند، وفيما يتعلق ببلاد أخرى كان الأقدمون يعدونها من الهند، وإن لم تكن منها الآن مثل سيلان التي كان أسلافنا الأقدمون يسمونها (سرنديب)، بمعنى جزيرة الياقوت، ثم صاروا يسمونها (سيلان)، وجاء المتأخرون من أهلها فأسموها (سيريلانكا).
ومثل نيبال التي تقع ملاصقة لشمال الهند، ولكل من القطرين كتاب مطبوع.

أما كتب الهند فإن بعضها بقي مخطوطا؛ لأنني صرت أسارع إلى طباعة كتبي التي تتحدث عن بلاد بعيدة، معتبرا أن الهند جار لنا قريب، وإن بعض بني قومنا يعرفون بعض ما فيه من أمور، وإن كنت أعتقد أن أكثرهم لا يعرفون أكثر ما في الهند، وبخاصة ما يتعلق بنشاط الإخوة المسلمين في إقامة المؤسسات الإسلامية، وفي بناء المساجد، وافتتاح المدارس والمعاهد الإسلامية، بل الحرص على أمور دينهم أكثر مما يحرص عليه إخوان لهم في الدين في بلاد أخرى.

ولقد هيأ الله لبلادنا قادة يسعون إلى مساعدة الإخوة المسلمين في الهند مثلما يسعون إلى مساعدة غيرهم من المسلمين على أمور دينهم، فكان لرابطة العالم الإسلامي التي أتولى فيها وظيفة الأمين العام المساعد نصيب كبير من تنفيذ تلك السياسة التي تتعلق بالتعاون مع الإخوة المسلمين في الهند على البر والتقوى، من دون ابتغاء أي نفع سياسي أو إعلامي، أو حتى انتظار شكر أو تقدير من وراء ذلك؛ لأنه عمل قصد به أن يكون خالصا لوجه الله.

ولكن الإخوة الكرام من مسلمي الهند أبوا إلا أن يبادروا بالشكر والدعاء بالأجر لمن تعاون معهم، أو عاون على عملهم، فكانوا يحسنون استقبالنا ويحققون آمالنا في أن يقدموا ما يستطيعون من عمل صالح من غير انتظار لإحسان من أحد ولا اعتماد على بشر، فكان هذا داعيا لزيادة الاتصال والتعاون حتى لم تبق مدينة من المدن أو مركز من المراكز في الهند -فضلا عن الولايات- إلا وفيها أثر من آثار التعاون بين الجهات العاملة في العلاقات مع الإخوة المسلمين من المملكة العربية السعودية، وذلك في المساعدة على مسجد يشاد، أو مدرسة تقام، أو جمعية إسلامية تدعم، أو مشروع خيري اجتماعي يسير.

وكان لي نصيب وأي نصيب من إيصال الخير من بلاد الحرمين إلى أولئك الأخوة الأدنين، حتى زرت ولايات الهند من أقصى الشمال في كشمير إلى أقصى الجنوب في كيرلا، و (تامل نادو) وفي شرقيها من ولاية أوريسا وغرب البنغال، إلى غربها في ولايات (مهاراسترا) وكجرات وراجستان.
وفي كل هذه الولايات وغيرها كنت أينما حللت أقيد ما رأيته أو سمعته مما يتعلق بما رأيته، وأكثر القول فيما يتعلق بالإخوة المسلمين ومؤسساتهم كما قيدت ما لاحظته من أمور عامة في البلاد تتعلق بالأقوام الأخرى في الهند.

إن الإخوة المسلمين في الهند يزيد عددهم الآن على مائة مليون نسمة، وهم أكبر أقلية مسلمة في العالم، ولكنهم مع ذلك كانوا ولا يزالون يعانون من الأكثرية الهندوكية التي يربو عددها على ثمانمائة مليون، إذ نشأت ناشئة منهم طورت التعصب ضد المسلمين الذي كان موجودا في السابق في بعض الصدور، أو كان محصورا في بعض السطور، فحولته إلى مبادئ أحزاب سياسية، وجمعيات اجتماعية، وصارت تغذي ذلك التعصب وتنشر المفتريات حول ما فعله المسلمون بالهنادكة عندما كانوا يحكمونهم في تاريخهم القديم، ناسين أو متناسين أن المسلمين حكموا الهند أو أكثر أجزائه قرابة ثمانمائة سنة، ولو كانوا يريدون أن يبيدوا الهنادكة لفعلوا من دون أن تنتطح فيها عنزان، ومن دون أن يشعر بذلك أحد من العالم في تلك العهود، لأن إبادة الخصوم هو من الأمر المفهوم، في تلك العصور، ولكون وسائل الاتصال بين الشعوب كانت معدومة، فكانت الوقائع العظمى الداخلة غير مفهومة إلا للأقربين من أهل ذلك البلد.

كما أن المسلمين لو كانوا يريدون أن يحولوا الهنادكة عن دينهم إلى الدين الإسلامي قسرا وجبرا لفعلوا ذلك في تلك الدهور التي كانت تتفهم مثل هذه الأمور.
وواجبنا نحن المسلمين في العالم أن نأخذ بأيدي إخواننا المسلمين في الهند، فنساعدهم من الناحية الثقافية والدينية، دون أن نتدخل في الشئون الداخلية لهم أو لبلادهم الهندية، وإذا كان لا بد من التدخل فليكن للإصلاح والإيضاح بأن المسلمين يجب أن يكونوا مواطنين هنودا صالحين يستفيد منهم الوطن، وينتظرون مقابل ذلك أن يعترف لهم بخصوصيتهم الدينية، بل بأصالتهم الإسلامية، وهذا هو ما فعلناه، وما صرنا نقوله في المحافل والمحاشد، والله خير شاهد.

وأما هذا الكتاب فإنه خاص -كما قلت- بالكلام على مشاهدات في بعض شمال الهند من ولاية (أترا برديش) بمعنى الولاية الشمالية وهي كبرى الولايات الهندية من حيث عدد السكان، وإن لم تكن أوسعها في المكان؛ لأن أوسع الولايات الهندية على الإطلاق هي ولاية (مدهي برديش) بمعنى الولاية الوسطى.
وكذلك يتكلم الكتاب على أماكن في منطقة دلهي العاصمة التي هي بمثابة الولاية المستقلة.

وهو في مجمله كتاب رحلة وحديث عن أمور ظاهرة حاضرة، ومع ذلك رأيت ألا أخليه من شيء من الدراسات والمسائل التي تستحق البحث من الأمور العامة في الهند التي هي مشتركة بين الولايات الهندية، ولم يجر تخصيصها لبحث في كتاب من كتب الرحلات الهندية الأخرى.
إذ صيرت هذا الكتاب بمثابة المقدمة أو الدائرة الشاملة للموضوعات التي تشغل بال الإخوة المسلمين خارج الهند.

وقد رتبته على موضوعات اعتمدت فيها على نقول وأقوال لغيري، إلا أنني مزجتها أو برهنت على بعضها بما عندي من معلومات شخصية عن الهند، مما هو مكتسب في الجولات في الولايات الهندية.

والله من وراء القصد..
المؤلف
محمد بن ناصر العبودي

مختصر الحياة:
والمراد بذلك الحياة المختصرة التي هي المقتصرة على أقل من الضرورات.
وقد لاحظت في جولاتي في الأرياف الهندية أن معظم الناس في القرى يعيشون معيشة يصح أن توصف بأنها أقل من القليل من الحياة التي يراد بها التمتع بما في الحياة الدنيا من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.

فرأيت الرجال يلبس الواحد منهم فوطة صغيرة يضعها على عورته المغلظة ليس غير، بمعنى أنه ليس عليه غيرها، وهذه كانت حال ملايين منهم.
ورأيت أنهم لا يتمتعون حتى بشرب الماء النقي أو الذي يبدو نقيا، وإنما يشربون من بقايا ما تخلفه الأمطار، أو تحفظه الأرض الطينية من مياه، رأيت النساء يغتسلن منها ويغسلن ملابسهن وملابس أطفالهن، وبعض تلك المياه في الحفر أو البرك الطبيعية غير المعتنى بها تتغير حتى يصبح ماؤها أخضر اللون، ومع ذلك يستقي الناس منها الماء.

وأما النساء فإن أمرهن أعجب إذ الفقر والعوز هو السائد عليهن، حتى إن بعض الشابات منهن أو غير العجائز – على الأقل- يعملن في البناء كما يعمل الرجال، وليس المراد بذلك أنهن ينجزن من العمل ما ينجزه الرجال، وإنما المراد أنهن يعملن في هذا الميدان ويتقاضين على ذلك أجرا يتناسب مع هزالهن وصعوبة الحركة عليهن، رأيت ذلك في عدة ولايات، ولعل أكثره ظهورا في ولايتي بيهار ومهاراسترا، وقيل لي عندما رأيتهن أول الأمر: إن أجر العاملة الواحدة منهن لا يتجاوز ما يعادل ريالا سعوديا ونصفا أو ريالين.

ورغم فقرهن الواضح الذي حدا بهن إلى هذا العمل الشاق بأجر زهيد، فإن الواحدة منهن ترتدي اللباس الهندي التقليدي للمرأة وهو الساري الذي يضرب أسفله حتى يصل الأرض، وله ما يشبه الردن أو الطرف الذي يشبه طرف الغترة مع جهة واحدة لا تفتأ المرأة تحاول أن تنسفه على كتفها لئلا يؤذيها عند الحركة، فيعود إلى مكانه من صدورها.
وأكل الجميع مثل ذلك فهو حفنة من الأرز، أو كسرة صغيرة من الخبز غير المأدوم.

وقد رأيت في الهند وبخاصة في مدينة بومبي شيئا لم أره في أي مكان آخر من العالم وهو مساكن الأرصفة التي تتمثل في أن طائفة من الناس يعيشون طول حياتهم على أرصفة الشوارع، ليس لهم من المساكن إلا خيشة أو قطعة من الورق المقوى (الكرتون) يفترشونها أو يجعلونها كالصندوق الكبير الذي يسترهم، وأما مكان قضاء حاجاتهم فإنه الأماكن العامة، وأما الطعام فإنه ما تيسر، وأما اللباس فإنه الذي على الجلد ليس غير. ومع ذلك:

يجد المرء في المقابل أن طوائف من الهنود صاروا خبراء في البحوث العلمية المتقدمة: كبحوث الذرة، وصناعة الصواريخ، والطائرات النفاثة، وقد فجروا الذرة بالفعل وملكوا السلاح الذري، وصنعوا الصواريخ البعيدة المدى، وصنعوا الدبابات وغيرها من الأسلحة.
وهذا من العجب!

وكان المتبادر للذهن أن يفكروا في كسوة أولئك العارين وإطعام الجائعين، ومداواة المرضى والزمنى من شعبهم قبل أن ينفقوا النفقات الطائلة على تلك البحوث الغالية المكلفة، ولكنهم كان هاجسهم القوة والتفوق على باكستان في المجالات العسكرية المهمة.

ولا شك في أن ذلك ناشئ من عادات درجوا عليها وألفوها، حتى صاروا لا يستنكرونها، وهي متخلفة من العصور التاريخية القديمة التي لا تبالي بفقر الفقير، ولا بمصائب الطبقات الشعبية السفلى التي يسمونها المنبوذين، الذين لا تقتصر بلواهم في القديم على كون الأغنياء والنبلاء لا يبالون بهم، ولا يصنعون شيئا من أجلهم، كما يفعل كثير من أمثالهم في أنحاء العالم، وإنما يتعدى ذلك في الهند إلى درجة الإهانة والاحتقار والتعدي حتى بالقتل إذا ما تجرأ شخص من الطبقات المنبوذة على مخالطة طبقة (البراهما) الراقية بزعمهم في مأكل أو ملبس أو نحوه، بل كانوا في القديم يعاقبونهم حتى لمجرد أن يقع ظل المنبوذ على البرهمي؛ لأنه ينجس البرهمي بوقوع ظله عليه، ولكي يتقي البرهمي تلك النجاسة يعاقب المنبوذ عقابا أليما، ويجعله يفر من وجه البرهمي ولا يدع ظله يصل إليه.
مما حملني على أن أقول: إن أهل الهند في الأرياف والقرى الهندوكية يعيشون معيشة ناقصة، أو هي حياة مختصرة، ولكنه اختصار مخل.


للاطلاع على محتوى الكتاب كاملا، يمكن تنزيل الملف المرفق.


عدد مرات القراءة (2319) عدد مرات التحميل (85) عدد مرات الإرسال (0)

0 ( 1 )
ملفات مرتبطة

نظرات في شمال الهند- الجزء الأول
مواد مرتبطة
عفوًا، لا توجد مواد مرتبطة
التعليقات (   0   ) مشاركة
  اكتـب تـعليـقـا

اسمك :



بريدك الإلكتروني:



أضف تعليقك :






أدخل كود الصورة: