البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » الفتاوى
العرض
1428/05/25
1428/05/25 
صديق حسن خان القنوجي
  إثبات الشفاعة والرد على منكريها
س هل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين يوم القيامة ثابتة أم لا؟
قد أجمعت الأمة على شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى الشفاعة لغة الوسيلة والطلب، أصلها الشفع ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان وتراً، فصار شفعاً بانضمام الشفيع إليه، والمشفع بكسر الفاء يقوم بالشفاعة، والمشفع بفتح الفاء من قُبلت شفاعته. وفي هذه المسألة مذهبان؛ أحدهما: مذهب المعتزلة الذين يقولون إن الشفاعة تكون لمن يستحق الثواب، وتأثير هذه الشفاعة هو زيادة المنافع على ما يستحقون. ثانيهما: مذهب أهل السنة، وتأثير الشفاعة عند هؤلاء هو إسقاط العذاب عمن يستحقونه. وتتم هذه بطرق؛ الأول: في عرصات القيامة حتى لا يدخلوا النار. الثانية: بعد دخولهم النار حتى يُخرجوا منها، ويدخلوا الجنة، واتفقوا على أن هذه الشفاعة لا تكون للكفار. ونقل في فتح الباري عن ابن بطال: أنكرت المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من دخل النار من المذنيين، وتمسكوا بقوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـاعَةُ الشَّـافِعِينَ وغير ذلك من الآيات([53]). وأجاب عنه أهل السنة أن الآية عن الكفار، وقد رويت أحاديث كثيرة في إثبات الشفاعة المحمدية، وبعثُ النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام المحمود الذي نص عليه القرآن الكريم يدل على ثبوت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الجمهور: إن المراد بالآية الكريمة: عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ([54]) هو الشفاعة، بالغ أحدهم ونقل الإجماع وزيّف ما رُوي عن مجاهد. وقال الطبري: أكثر أهل التأويل على أن المقام المحمود هو المكان الذي يقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويريح أهل المحشر من كُرب الموقف، وأورد بعده عدة أحاديث، في بعضها التصريح بهذا المعنى. قال سلمان شفعه الله في أمته فهو المقام المحمود([55])، وقال ابن عباس: المقام المحمود هو الشفاعة([56])، وقال أبو هريرة: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال هي الشفاعة ([57])، وورد في حديث كعب بن مالك مرفوعاً: أكون أنا وأمتي على تلٍ فيكسوني ربي عز وجل حلة خضراء، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ([58])، وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شافع([59])، وقال جمهور أهل العلم: إنه المقام المحمود، ورُوي عن ابن مسعود مرفوعاً: إني لأقوم يوم القيامة المقام المحمود، إذا جيء بكم حفاة عراة ، وفيه: ثم يكسوني حلة، فألبسها، فأقوم عن يمين العرش مقاماً لا يقومه أحد، يغبطني فيه الأولون والآخرون ([60])، وروي عن مجاهد المقام المحمود الشفاعة، ورُوي مثله عن حسن البصري، وروى الطبري عن مجاهد في تفسير المقام المحمود مجلسه معه على عرشه([61])، وأسنده وقال الأول أولى، والثاني ليس بمرفوع لا نقلاً، ولا عقلاً. ويقول ابن عطية هو كذلك إذا حمل على ما يليق به، وبالغ الواحدي في ردّ هذا القول، ونقل النقاش عن أبي داود صاحب السنن أنه قال من أنكر هذا فهو متهم، وقد جاء عن ابن مسعود عند الثعلبي([62])، وعن ابن عباس عند أبي الشيخ، وعن عبد الله بن سلام قال: إن محمداً يقوم يوم القيامة على كرسي الرب بين يدي الرب، أخرجه الطبري. أقول: يحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف ويحمل على هذا ما روي عن مجاهد وغيره، والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة. لكن الشفاعة الواردة في الأحاديث المذكورة عن المقام المحمود نوعان؛ الأول: العامة في فصل القضاء. والثاني: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وحديث سلمان الذي ذكره الطبري رواه ابن أبي شيبة([63]) أيضاً، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد والترمذي([64])، وحديث كعب أخرجه ابن حبان والحاكم([65])، وأصله في مسلم، وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد والنسائي والحاكم([66])، وفي هذا الباب عن أنس وعن جابر عند الحاكم من رواية الزهري عن علي بن الحسين عنه([67])، واختلف فيه على الزهري، فالمشهور عنه أنه مرسل علي بن الحسين، كذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر([68])، وقال إبراهيم بن سعد عن الزهري عن علي عن رجال من أهل العلم. وفي هذا الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه ابن مردويه([69])، وعنده أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص، ولفظه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال هو الشفاعة ([70])، وعن أبي سعيد عند الترمذي، وابن ماجه([71]). قال الماوردي: في تفسير المقام المحمود ثلاثة أقوال؛ الأول الشفاعة. الثاني الإخلاص. الثالث إعطاء لواء الحمد يوم القيامة. يقول القرطبي: هذا لا يغاير القول الأول. وقد أثبت غيره التفسير الرابع، وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن أبي هلال أحد صغار التابعين أنه بلغه أن المقام المحمود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون يوم القيامة بين الجبار وبين جبريل، فيغبطه بمقامه ذلك أهل الجمع. التفسير الخامس يقتضيه حديث حذيفة وهو ثناؤه على ربه عز وجل([72]). وحكى القرطبي التفسير السادس، وذلك يقتضيه حديث ابن مسعود رواه أحمد والنسائي والحاكم قال: يشفع نبيكم رابع أربعة، جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم، لا يشفع أحد في أكثر مما يشفع فيه الحديث([73])، ولم يصرح بكونه مرفوعاً، وضعفه البخاري وقال: والمشهور قوله صلى الله عليه وسلم: أنا أول شافع . أقول: على تقدير ثبوته أيضاً لم يُصرّح في طريق من طرقه بأنه المقام المحمود، مع أنه لا يغاير حديث الشفاعة للمذنبين. وجوّز المحب الطبري التفسير السابع، وذلك يقتضيه حديث كعب بن مالك المتقدم، قال: هذا يشعر بأن المقام المحمود غير الشفاعة، ثم قال: ويجوز أن تكون الإشارة بقوله فأقول إلى المراجعة في الشفاعة. قلت: وهذا هو الذي يتجه، ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة العامة، فإن إعطاء لواء الحمد، وثناءه على الله عز وجل، وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه، وقيامه أقرب من جبريل، كل ذلك صفات للمقام المحمود([74]) الذي يشفع فيه، ليقضي بين الخلق. وأما شفاعته للمذنبين في إخراجهم من النار فمن توابع ذلك. قال ابن بطال: سلّم بعض المعتزلة وقوع الشفاعة، لكن خصّها بصاحب الكبيرة الذي تاب منها، وصاحب الصغيرة الذي مات مصراً عليها، وتعقب بأن من قاعدتهم أن التائب من الذنب لا يعذب، وأن اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر، فليزم قائله أن يخالف أصله. وأجيب عنه بأنه لا مغايرة بين القولين، إذ لا مانع من أن حصول ذلك للفريقين إنما حصل بالشفاعة. لكن الذي يقصر الشفاعة على هذا المعنى يحتاج إلى دليل يخصص، وورد في الحديث: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ([75]) ولم يخصص بالتائب. قال عياض: أثبتت المعتزلة الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وهي الخاصة بنبينا، والشفاعة في رفع الدرجات، وأنكرت ما عداهما. قلت: وفي تسليم المعتزلة الثانية نظر. وقال النووي: تبعاً لعياض الشفاعة خمس: 1. في الإراحة من هول الموقف. 2. وفي إدخال قوم الجنة بغير حساب. 3. وفي إدخال قوم حوسبوا فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا. 4. وفي إخراج من أُدخل النار من العصاة. 5. وفي رفع الدرجات. ودليل الأولى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: فيحدّ لي حداً([76])، فأخرجهم من النار ([77])، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: شفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنساناً واحدًا فما زلت أتردد على ربي لا أقوم منه مقاماً إلا شفعت فيه ([78])، وهذا مقام الأخيار من الكاملين، وجاء في حديث عائشة فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وتبعته فإذا هو في مشربة يصلي فرأيت على رأسه ثلاثة أنوار، فلما قضى صلاته قال: رأيت الأنوار؟ قلت: نعم، قال: إن آتياً أتاني من ربي فبشرني أن الله عز وجل يدخل مكان كل واحد من أمتي من السبعين الألف المضاعفة سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فقلت لا تبلغ أمتي هؤلاء، قال أكملهم من الأعراب ممن لا يصوم ولا يصلي . دليل الثانية قوله تعالى في جواب قوله صلى الله عليه وسلم: أمتي أمتي أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم ([79]) كذا قيل. ويظهر لي أن دليله سؤاله صلى الله عليه وسلم الزيادة على السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فأجيب. ودليل الثالثة والرابعة حديث حذيفة عند مسلم: ونبيكم على الصراط يقول رب سلم ([80])، وله شواهد. ودليل الخامسة قوله في حديث أنس عند مسلم: أنا أول شفيع في الجنة ([81])، كذا قاله بعض أهل العلم، وقال: وجه الدلالة منه أنه جعل الجنة ظرفاً لشفاعته. قلت: وفيه نظر، لأن الجنة ظرف لشفاعته الأولى المختصة به صلى الله عليه وسلم، والذي يُطلب أن يشفع لمن لم يبلغ عمله درجة عالية أن يبلغها بشفاعته. وأشار النووي في (( الروضة )) إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه مع أنه لم يذكر مستندها، وأشار عياض إلى استدراك شفاعة سادسة، وهي التخفيف عن أبي طالب في العذاب، وزاد بعضهم شفاعة سابعة، وهي الشفاعة لأهل المدينة كما في حديث سعد رفعه: لا يثبت أحد على لأوائها إلا كنت له شهيداً، أو شفيعاً أخرجه مسلم([82])، وحديث أبي هريرة رفعه: من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها أخرجه الترمذي([83]). قلت: وهذه غير واردة، لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأول، ولو عُد مثل ذلك لعُد حديث عبد الملك بن عباد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف أخرجه البزار والطبراني([84])، وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر رفعه: أول من أشفع له أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم ([85])، وذكر القزويني في (( العروة الوثقى )) ، شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم، ولم يذكرمستندها. ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة. وزاد القرطبي أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، وهذه أفردها النقاش بالذكر، وهي واردة، ودليلها موجود في حديث الشفاعة الطويل، وزاد النقاش أيضاً شفاعته في أهل الكبائر من أمته، وهذه ليست واردة؛ لأنها تدخل في الثالثة أو الرابعة. وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: السابق يدخل الجنة والمقتصد يرحمه الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف، يدخلونها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم([86]). وأرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وشفاعة أخرى، وهي شفاعته فيمن قال لا إله إلا الله، ولم يعمل خيراً قط، ومستندها رواية الحسن عن أنس، ولا يمنع من عدّها قول الله تعالى له (ليس لك ذلك)؛ لأن النفي يتعلق بمباشرة الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه قد صدرت، وقبولها قد وقع، وترتب عليها أثرها. فالوارد على الخمسة أربعة وما عداها لا يرد، كما لا ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبر وغير ذلك ؛ لكونه من أحوال الدنيا. وتستدل المعتزلة على إنكارهم الشفاعة لأهل الكبائر ببعض الآيات والأحاديث، منها قوله تعالى: لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ ([87])، يقولون هذه نكرة وقعت في سياق النفي فتكون عامة، ومنها قوله تعالى: وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ([88])، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم شفيعاً لأحد من العصاة للزم أن يكون ناصراً له، وهذا يخالف الآية صراحة. ولا يقال: إن اليهود كانوا يزعمون أن أنبياءهم يشفعون لهم، فرُدَّ على زعمهم؛ إذ نزلت الآية فيهم. ولا يقال: إن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً، إلا أن الإجماع على تخصيصها في حق الزيادة لأهل الطاعة فتخصص في حق المسلم صاحب الكبيرة أيضاً بالأدلة المذكورة في محالها. ويجاب – من قبل المعتزلة – عن هذه الأدلة – من قبل أهل السنة - أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا يجوز أن يكون المراد نفي الشفاعة في زيادة المنافع؛ إذ حذّر الله سبحانه أن الشفاعة لا تنفع ذاك اليوم، فلو كان نفي الشفاعة راجعاً إلى تحصيل زيادة النفع لما بقي للتحذير معنى ؛ إذ لا ضرر في عدم حصول زيادة النفع، فثبت أن المراد بالآية نفي الشفاعة في إسقاط العذاب، لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع. قال شيخ الإسلام السفاريني هذا رأيهم ومن وافقهم، وهو رأي فاسد، ومذهب باطل، ترده الأخبار الصحيحة، والآثار الصريحة، وإجماع أهل الحق – أيدهم الله تعالى –، وأجابوا عن الآية الكريمة أن المراد بقوله: لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ([89]) الكفار للآيات الواردة والأخبار الثابة في الشفاعة، قال البيضاوي: تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا أن مساق الخطاب معهم، والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم، انتهى. ومنها قوله تعالى: مَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ([90])، والظالم من يظلم، والظلم يتناول الكافر وغيره. ولا يقال: إن نفي الشفيع المطاع هنا للظالمين، لا نفي الشفيع مطلقاً. ويجاب عنه أن القول بموجب هذه الآية أن لا يوجد في الآخرة شفيع مطاع؛ وذلك لأن المطاع يكون فوق المطيع، وليس فوقه سبحانه أحد. ولا يقال: إن حمل الآية على هذا المعنى لا يجوز، وذلك بسببين: أحدهما: أن عدم كون أحدٍ فوقه سبحانه وتعالى حيث يكون سبحانه مطيعاً له مما اتفق عليه العقلاء، أما عند المثبتين فحيث يعرفون أنه سبحانه ليس مطيعاً لأحد، وأما عند النفاة فحيث قالوا بنفي الاعتقاد بأن إطاعته سبحانه لغيره مستحيلة. وبعد ثبوت هذا المعنى حمل الآية على المذكور حمل على ما لا يفيد. ثانيهما: أنه سبحانه وتعالى نفى الشفيع المطاع، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه ؛ إذ كل من يكون فوقه يكون آمراً له وحاكماً عليه، ومثله لا يكون لا سيما شفيعاً، فكونه شفيعاً يعني كونه مفيداً دون الله سبحانه وتعالى، فالشفيع لا يكون مجاباً. قال العلامة السفارنيي المراد بالظالمين في هذه الآية الكفار، فإن الظالم على الإطلاق هو الكافر، انتهى. ومنها قوله تعالى: يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـاعَةٌ وَالْكَـافِرُونَ هُمُ الظَّـالِمُونَ ([91])، يقولون: ظاهر هذه الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها. ومنها، قوله تعالى: وَمَا لِلظَّـالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ([92])، فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم شفيعاً لفساق أمته، للزم أن يكون هؤلاء الفساق موصوفين بالمنصورين، إذ شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تكون مخلّصة من العذاب لا محالة، فكأنها وصلت في النصرة إلى النهاية. ويجاب عنه أن المراد بالظالمين عند الإطلاق الكفار، وأيضاً لا يستلزم نفي النصرة نفي الشفاعة، إذ الشفاعة طلب مع الخضوع، والنصرة أحياناً تكون مبنية على المدافعة والممانعة والاستعلاء. ومنها قوله تعالى: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ([93]) في هذه الآية إخبار أن الملائكة لا يشفعون لأحد إلا من ارتضاه الله سبحانه وتعالى، والفاسق غير مرتضى عند الله سبحانه، وعندما لا تشفع له الملائكة لا يشفع له الأنبياء أيضاً، لأنه لا قائل بالفرق. والجواب عنه كما قال العلامة السفاريني: لا نسلم لهم زعمهم أن الفاسق غير مرضي مطلقاً، بل هو مرضي من جهة الإيمان والعمل الصالح، وإن كان مبغوضاً من جهة الذنوب، والعصيان، وارتكاب القبائح، بخلاف الكافر فإنه ليس بمرضي مطلقاً ؛ لعدم الأساس الذي تبنى عليه الحسنات، والاعتداد بالكمال وهو الإيمان، انتهى. ومنها: قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ([94])، فلو كان للشفاعة تأثير في إسقاط العذاب للزم أن تكون نافعة، وهذا يخالف الآية. ومنها: قوله تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدّينِ * وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ([95])، وهذا دليل على دخول جميع الفجار النار، وعدم غيابهم عن الجحيم، فثبت أن الفجار لا يخرجون من النار، وفي هذه الحالة لا يكون للشفاعة أي تأثير في العفو عن العقاب، ولا في الإخراج من النار بعد الإدخال فيها. ومنها: قوله تعالى: يُدَبّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ([96])، هنا نفيت الشفاعة عن من لم يُؤذن له أن يشفع، وكذا قوله تعالى: مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ([97])، وكذا قوله تعالى: لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ([98])، وهذا دليل على عدم الإذن للشفاعة لأهل الكبائر ؛ إذ لو كان هذا الإذن معروفاً لعُرِف بالعقل أو النقل، أما النقل فلا وجود له في هذا المجال ؛ إذ الأخبار الآحاد تفيد الظن، ومسألة الباب مسألة علمية اعتقادية، ولا يجوز التمسك بالدلائل الظنية للمسائل العلمية الاعتقادية، والتواتر أيضاً لا يوجد؛ إذ لو حصل التواتر لعرفه جمهور المسلمين، ولم ينكروا هذه الشفاعة في هذه الحالة، ولما أجمع أكثرهم على الإنكار عُلم أن هذا الإذن لم يحصل. ومنها: قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ([99])، فلو ثبتت الشفاعة للفاسق لما بقي لتقييده بالتوبة واتباع الرسل معنى. ومنها: قوله تعالى: إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ([100]) يقولون: من أخزاه الله لا يرتضيه، ومن ارتضاه لا يخزيه. قال السفاريني: الجواب ما قاله سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم: معنى مَن تُدْخِلِ النَّارَ : تخلد، وقال قتادة: تدخل مقلوب تخلد([101])، ولا نقول كما قالت أهل حروراء يعني: الخوارج، فعلى هذا قوله: فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ : على بابه من الهلاك، أي: أهلكته، وأبعدته، ومقته، ولهذا قال سعيد بن المسيب: الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار([102])، دليله قوله في آخر الآية: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَـارٍ ([103])، أي: الكفار، وإن سُلِّم أن الآية في عصاة الموحدين فالمراد بالخزي الحياء، يقال: خزي يخزى خزاية: إذا استحيى، فهو خزيان وامرأة خزياء، فخزي المؤمنين يومئذ استحياؤهم من دخول النار ودار البوار مع أهل الشرك والكفار، ثم يخرجون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمة الرؤوف الرحيم، انتهى. ومن الأحاديث التي يستدلون بها على عدم الشفاعة لأهل الكبائر ما يأتي: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا ، قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين يأتون من بعد ، قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من بعدك؟ قال: أرأيت إن كان لرجل خيل غُرّ محجلة في خيل دُهم، فهو لا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا مجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم هلم! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: فسحقاً فسحقاً ([104]). وجه الاستدلال بهذا الحديث أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم شفيعاً لهؤلاء لما قال: سحقاً سحقاً؛ إذ الشفيع لا يقول هذه الكلمة، وعندما قالها لا يكون شفيعاً في الخلاص من العذاب الأليم، بل يكون مانعاً من شرب الماء. ومنها: حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا كعب! أعيذك بالله من إمارة السفهاء إنه ستكون أمراء من دخل عليهم وأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه، ولن يرد على الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض يا كعب بن عجرة! الصلاة قربة، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. يا كعب بن عجرة! لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت ([105]). وجه الاستدلال بهذا الحديث: أن هؤلاء عندما لا يكونون منه صلى الله عليه وسلم ولا هو منهم، فكيف يشفع لهم، وكل من لا يرد حوضه كيف يكون شفيعاً له؟ ولما مُنع عن الوصول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لم يصل إلى الحوض، فمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من إنقاذه من العذاب أولى. وعدم دخول لحم نابت من سحت في الجنة يصرح بعدم تأثير الشفاعة في حق صاحب الكبيرة. ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثنى! فأقول: لا أملك لك من الله قد بلغتك ([106]). ولما لم يملك له شيئاً من الله، فأين الشفاعة؟ ومنها: حديث أبي هريرة الآخر: قال صلى الله عليه وسلم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره ([107]). ولما صار النبي صلى الله عليه وسلم خصماً لهم كيف يشفع لهم؟ فما سبق من الأدلة هي أدلة المعتزلة. ومن أدلة أهل السنة على شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة ما يأتي من الآيات والأحاديث. قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ([108]). وجه الاستدلال أن شفاعة عيسى عليه السلام هذه إما للكفار، أو للمسلم المطيع، أو للمسلم صاحب الصغيرة، أو للمسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة، أو في حقهما قبل التوبة، فالأول باطل ؛ لأن قوله سبحانه: وإن تغفر لهم لا يليق بحال الكفار، والثاني والثالث والرابع باطل بناء على أن المسلم المطيع، وصاحب الصغيرة، وصاحب الكبيرة بعد التوبة لا يجوز تعذيبهم عقلاً عند من ينفون الشفاعة، ولو كان كذلك لما كان قوله سبحانه: إِن تُعَذّبْهُمْ يليق بحالهم، ولما بطلت هذه الفروع، لم يبق إلا أن هذه الشفاعة ثابتة لصاحب الكبيرة قبل التوبة، وعندما صحت الشفاعة هذه لعيسى عليه السلام صحت للنبي صلى الله عليه وسلم بالضرورة ؛ لأنه لا قائل بالفرق. ومنها: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ([109])، فحمل قوله: وَمَنْ عَصَانِى على الكافر لا يجوز؛ إذ الكافر ليس من أهل المغفرة بالإجماع، ولا يصح حمله على صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة؛ إذ تجب مغفرته عقلاً عند من ينفون الشفاعة، فلا يحتاج إلى الشفاعة على ما ذهب إليه أهل السنة، وأورد البيهقي في شعب الإيمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآيتين المذكورتين، ورفع اليد وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال تعالى لجبريل: اذهب إلى محمد وربك أعلم واسأله لماذا تبكي، جاء جبريل إلى النبي، فأخبره ، فأمره سبحانه وتعالى قال: يا جبريل اذهب إلى محمد، وقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك ورواه مسلم في صحيحه أيضاً([110]). ومنها: قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـنِ عَهْداً ([111])، لا يُفهم أن ظاهر الآية يدل على أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم ولا شفاعة غيرهم لهم؛ إذ إضافة المصدر كما يجوز إلى الفاعل كذلك يجوز إلى المفعول. أما حمل الآية على الوجه الثاني أولى؛ إذ الحمل على الأول جار مجرى إيضاح الواضحات، وتبيين البينات؛ إذ كل واحد يعلم أن المجرمين المسوقين إلى جهنم لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعين الحمل على الثاني، وعندئذ دلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر؛ إذ أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـنِ عَهْداً ، وتقدير العبارة: أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا قد اتخذوا عند الرحمن عهدًا، فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه. ولا شك أن صاحب الكبيرة قد اتخذ عند الرحمن عهدًا، وذلك العهد هو التوحيد والإسلام، فوجب أن يكون مندرجاً تحت هذه الآية. أقصى ما يقال: إن اليهودي أيضاً اتخذ عند الرحمن عهداً، وذلك الإيمان بالله سبحانه، فينبغي أن يكون داخلاً تحت هذه الآية. لكن لا يمكن أن يقال: إن ترك العمل يوجب عدم الدخول؛ لأن الإجماع على عدم دخوله منعقد بالضرورة، فوجب أن يكون معمولاً به عند القائل بحجيته. ومنها: قوله تعالى في وصف الملائكة: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ([112])، وجه الاستدلال: أن صاحب الكبيرة مرتضى حسب إيمانه وتوحيده، وكل من يصدق عليه كونه مرتضى من هذه الجهة يصدق عليه كونه مرتضى؛ لأن المرتضى جزء من مفهوم المرتضى حسب الإيمان والتوحيد، وعندما يصدق المركب يصدق المفرد، ومن هنا ثبت أن الفاسق مرتضى، ولما ثبت كونه مرتضى ثبت كونه ممن يشفعون؛ لقوله تعالى: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ؛ إذ نفيت الشفاعة في هذه الآية إلا للمرتضى، والاستثناء من النفي إثبات، فثبت أن المرتضى يستحق شفاعة الملائكة، ولما دخل صاحب الكبيرة في شفاعة الملائكة ثبت دخوله في شفاعة الأنبياء، وشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم بالضرورة ؛ إذ لا قائل بالفرق. ولو قالوا: في هذا الاستدلال نظر بوجهين ؛ الأول: أن الفاسق ليس بمرتضى، ولما لم يكن مرتضى ثبت أنه لا يستحق شفاعة الملائكة، ولما لم يستحق شفاعة الملائكة لزم أن لا يستحق شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، بناءً على عدم كونه مرتضى؛ إذ قوله تعالى: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى يدل على نفي شفاعتهم إلا لمرتضى، ولما لم يكن صاحب الكبيرة مرتضى ثبت دخوله في النفي. والوجه الثاني: أن الاستدلال بالآية يتم حينما يحمل قوله تعالى: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى على أن المراد به مرتضى الله سبحانه وتعالى، وأما لو كان المراد به: لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته، ففي هذه الحالة لا تكون الآية دليلاً. الجواب على الوجه الأول أنه ثبت في العلوم الحقيقية أن لا يوجد تناقض بين المهملتين، فزيد عالم، وزيد غير بعالم غير متناقض. قال قتادة: أجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على أن من يعصي الله جاهل، وزاد مجاهد: ولو كان عابداً، وقال الكلبي: إنه أذنب أو جهل، وبعد ثبوت هذا المعنى يمكن أن يقال: إنه مرتضى حسب دينه، وليس بمرتضى حسب فسقه، وعندما ثبت كونه مرتضى حسب الإسلام ثبت كونه مرتضى، ولما كان المستثنى مجرد كونه مرتضى، فعند ارتضائه حسب إسلامه يدخل تحت الاستثناء، وثبت خروجه من المستثنى منه، وإذا كان الأمر كذلك ثبت كونه ممن يشفعون. والجواب عن الوجه الثاني: أن حمل الآية على معنى: لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أولى من حملها على معنى لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته؛ لأن الآية على التقدير الأول تفيد الترغيب والتحريض على طلب المرضاة الإلهية، والاحتزار من معاصي الله سبحانه، وعلى التقدير الثاني لا تفيد هذا المعنى، وتفسير كلام الله سبحانه بما هو أكثر فائدة أتم وأولى. ومنها: قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ([113]) وهذا مختص بالكفار، فثبت أن حال الفاسق بخلافه. ومنها: قوله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ([114])، وهذه الآية تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يُؤمر بالاستغفار لجميع المؤمنين، وصاحب الكبيرة مؤمن، وعندنا هو مؤمن ثبت أنه صلى الله عليه وسلم استغفر له، وعندما استغفر له ثبتت له مغفرة الله سبحانه، وإلا يلزم أنه صلى الله عليه وسلم أُمر بالدعاء ورُدَّ دعاؤه، وهذا ينافي رتبته العلياء، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالاستغفار من الله لجميع العصاة، ودعاؤه مقبول عند الله سبحانه، ويتم هذا حينما يغفر صاحب الكبيرة، فثبت أن لا معنى للشفاعة إلا هذا. ومنها: قوله تعالى: وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ([115])، وهذه الآية تدل على أن الإنسان مأمور برد التحية بأحسن منها أو مثلها، وتحية النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة بنص قوله تعالى: صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً ([116])، والصلاة من الله رحمة، والرحمة تحية بلا ريب، وحينما نطلب هذه التحية للنبي صلى الله عليه وسلم يجب بمقتضى قوله تعالى: فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كذلك، وذلك طلب الرحمة لجميع المسلمين، وهذا هو معنى الشفاعة، واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم غير مردود الدعاء، فثبت أن شفاعته تقبل في حق أولئك من أهل الإسلام وهو المطلوب. ومنها: قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ([117])، ولم يذكر التوبة في هذه الآية، وهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يستغفر للعصاة يغفر لهم الله تعالى، وهذا يدل على قبول شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر في الدنيا، وحينما قبلت في الدنيا، تقبل بالضرورة في الآخرة عند المجيء إليه صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا قائل بالفرق. ومنها: قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ([118])، وصاحب الكبيرة من المؤمنين، فوجب دخلوه تحت استغفار الملائكة. وأقصى ما يقال: إنه ورد بعده: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ إلا أن هذه الآية لا تقتضي تخصيص ذاك العام؛ إذ بين في أصول الفقه أنهم حينما يذكرون بعد اللفظ العام بعض أقسامه، فهذا الذكر لا يوجب تخصيص ذاك العام بذلك الخاص. ومن أدلتهم الأحاديث الدالة على ثبوت الشفاعة ووقوعها لأهل الكبائر، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أخرجه أبو داود، والترمذي والحاكم، والبيهقي، وصححوه عن أنس مرفوعاً([119]). ومنها: ما أخرجه الطبراني عن عبد الله بن بشر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شفاعتي في أمتي للمذنبين المثقلين ([120])، ومنها: ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ([121])، ومنها ما أخرجه الترمذي، والحاكم، والبيهقي عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ([122]). وأخرج عن أنس رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله لمن تشفع؟ قال: لأهل الكبائر من أمتي، وأهل العظائم، وأهل الدنيا .وأخرج عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ([123])، ومنها ما أخرجه أحمد والطبراني، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خُيّرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم، وأكفى، أترونها للمتقين، ولكنها للمذنبين والمخطئين المتلوثين ([124]). وأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل من أهل هذه القبلة النار من لا يحصي عددهم إلا الله بما عصوا الله تعالى واجترؤوا على معصيته، وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعة، فأثني على الله ساجداً، كما أثني عليه قائماً، فيقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفّع ([125])، وأخرج الشيخان: أن كل نبي سأل سؤالاً، أو قال: لكل نبي دعوة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ([126])، وأخرج البيهقي وصححه: رأيت ما يلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دم بعض فأحزنني ذلك، فسألت أن يولني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل ([127]). وأخرج أحمد بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبلي، إلى أن قال: قيل لي: سل فإنه كل نبي سأل، فاخترت مسألتي يوم القيامة فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله ([128]). وأخرج البزار والطبراني بسند حسن. قلنا: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكاً كملك سليمان فضحك، ثم قال: فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبياً إلا أعطاه دعوة، منهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوا فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة ([129])، وأخرج الطبراني بأسانيده: ألا أخبركم بما خيرني ربي آنفاً؟! قالوا: بلى يا رسول الله، قال: خيرني بين أن يدخل ثلثي أمتي الجنة بغير حساب ولا عذاب وبين الشفاعة، قلنا: يا رسول الله ما الذي اخترت؟ قال صلى الله عليه وسلم: اخترت الشفاعة ، قلنا جميعاً: يا رسول الله اجعلنا من أهل شفاعتك، قال صلى الله عليه وسلم: شفاعتي لكل مسلم ([130]). وأخرج الطبراني عن سلمان رضي الله عنه قال: تعطى الشمس عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس قال: فذكر الحديث قال: فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا نبي الله أنت الذي فتح الله لك وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقد ترى ما نحن فيه، فاشفع لنا إلى ربك فيقول: أنا صاحبكم فيخرج في جيوش من الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة فيأخذ بحلقة في الباب من ذهب، فيقرع الباب فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح له حتى يقوم بين يدي الله فيسجد فينادي ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع فذلك المقام المحمود ([131]). وأخرجه أحمد بسند رواته محتج بهم في الصحيح مرفوعاً: إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط؛ إذ جاء عيسى عليه السلام فيقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد! يسألون أو قال: يجتمعون إليك يدعون الله تعالى يفرق بين جمع الأمم إلى حيث شاء لعظم ما هم فيه، فالخلق يلجمون في العرق، فأما المؤمن فهي عليه كالزكمة، وأما الكافر فيغشاه الموت، قال: يا عيسى! انتظر حتى آتي إليك، قال: وذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش، ولقي ما لا يلقى ملك مصطفى ولا نبي مرسل، فأوحى الله إلى جبريل عليه السلام أن اذهب إلى محمد فقل له: ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، قال: فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنساناً واحداً، فما زلت أتردد بين يدي ربي عز وجل فلا أقوم منه مقاماً إلا شفعت فيه حتى أعطاني الله من ذلك إلى أن قال: أدخل من أمتك أو قال: من خلق الله من شهد أن لا إله إلا الله يوماً واحداً مخلصاً ومات على ذلك ([132]). وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والبزار وابن حبان في صحيحه، وقال عن إسحاق بن راهويه: هذا من أشرف الحديث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جلس مكانه، ثم صلى الأولى والعصر والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى أتى على العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله، فقال الناس لأبي بكر رضي الله عنه: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنه؟ صنع اليوم ما لم يصنعه قط؟ قال: فسألته، فقال: عُرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد حتى انطلقوا إلى آدم عليه السلام والعرق يكاد يلجمهم، فقالوا: يا آدم! أنت أبو البشر، اصطفاك الله، اشفع لنا إلى ربك، فقال: لست مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْراهِيمَ وَءالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ([133])، قال: فينطلقون إلى نوح عليه السلام، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت الذي اصطفاك الله، واستجاب لك في دعائك، فلم يدع على الأرض من الكافرين دياراً، فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم، فإن الله اتخذه خليلاً، فينطلقون إلى إبراهيم عليه السلام فيقول: إن ذاكم ليس عندي، انطلقوا إلى موسى، فإن الله كلمه تكليماً، فينطلقون إلى موسى عليه السلام فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى عيسى ابن مريم عليه السلام، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فيقول عيسى: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم، فإنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، انطلقوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع لكم إلى ربكم، قال: فينطلقون فيأتي إلى جبريل عليه السلام فيستأذن له على ربه، فيقول: ائذن له وبشره بالجنة، قال: فينطلق عليه الصلاة والسلام فيخر ساجداً قدر جمعة، ثم يقول الله تعالى: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، فيرفع رأسه، فإذا نظر خرّ ساجداً إلى ربه قدر جمعة أخرى، فيقول الله: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع واشفع تشفع، قال: فيذهب ليقع ساجداً فيأخذ جبريل عليه السلام بضَبعِه، ويفتح الله عليه من الدعاء شيئاً لم يفتح على بشر قط، فيقول: يا رب جعلتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى يرد علي الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة، ثم يقول: ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء فيجيء النبي معه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي ليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون فيمن أرادوا، فإذا فعلت الشهداء ذلك، فيقول الله تعالى: أنا أرحم الراحمين، دخلوا جنتي من كان لا يشرك فيَّ شيئاً، فيدخلون الجنة، ثم يقول الله تعالى: انظروا في أهل النار هل فيها من أحد عمل خيراً قط، قال: فيجدون في النار رجلاً، فيقال له: هل فعلت خيراً قط، قال: لا غير أني كنت أسامح الناس في البيع، فيقول الله تعالى: اسمحوا لعبدي كما سامح لعبيدي، ثم يخرج من النار آخر فيقال له: هل عملت خيراً قط، فيقول: لا غير أني كنت أمرت ولدي بعد موتي يحرقني بالنار، ثم اطحنوني، حتى إذا كنت مثل الكحل اذهبوا بي إلى البحر فذروني في الريح، فقال الله: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، فيقول الله: انظروا إلى مُلك أعظم ملك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله، فيقول: لِم تسخر بي وأنت الملك، فذلك الذي ضحكت منه ([134]) رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم بنحو هذا منهم حذيفة، وأبو مسعود، وأبو هريرة وغيرهم رضي الله عنهم. وأخرج مسلم رحمه الله تعالى: يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى يأتون آدم، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى نبي الله إبراهيم خليل الله، قال: فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلاً من وراء، اذهبوا إلى موسى الذي كلّمه الله تكليماً، قال: فيأتون موسى، فيقول موسى عليه السلام: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى عليه السلام: لست بصاحب ذاك، فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم، فيقوم فيؤذن له، فترسل الأمانة والرحم فيقومان من جنبي الصراط يميناً وشمالاً، فيمرّ أوّلكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيء كالبرق؟ قال: أو لم تر إلى البرق يمر ويرجع في طرفة عين، ثم كالريح، ثم كمر الطير وشد الرحال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم صلى الله عليه وسلم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطع السير إلا زحفاً، وقال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوش في النار، والذي نفس محمد بيده، إن قعر جهنم لسبعين خريفاً ([135]). وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش نهشاً، وقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فينظرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم، فيقول بعض الناس: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبونا، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، أفلا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا، فقال: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله ولا يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة، فعصيته نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، أفلا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب مثله بعده، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه. فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضّلك الله برسالته وكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب مثله بعده، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلّمت الناس في المهد صبياً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيقول عيسى: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتون محمداً، فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع لربي، ثم يفتح الله علي، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي أمتي يا رب، فيقول: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ([136]). وفي صحيح البخاري: قال الله عز وجل: ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ([137]) ولكل نبي دعوى مستجابة ([138]). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة ([139]). وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: كل نبي سأل سؤالاً فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ([140])، وفي رواية لمسلم: فهي نائلة من أمتي غير مشرك . والمراد بإجابة الدعوة المذكورة القطع بإجابتها ويُحمل ما عداها على رجاء الإجابة. والمراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة؛ لأنه لما نزل قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَىْء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ([141]) ادَّخر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته المستجابة لأمته في الآخرة. قال ابن الجوزي: وهذا من حسن كرمه صلى الله عليه وسلم حيث جعل دعوته للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين، وجعلها في أهم الأوقات، انتهى. وفيه دليل على أن من مات غير مشرك لا يخلّد في النار ولو مات مصراً على الكبائر. قاله محمد بن عبد الرحمن الأهدل. وعن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة، فيسمّون الجهنميين ([142])، وعند ابن عمر زيادة، فقال رجل لعبيد بن عمير: ما هذا الذي يحدّث به؟ وكان الرجل ممن يرى رأي الخوارج، فقال: إليك عني، فإني سمعته من ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وأخرج البزار والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم بسند حسن عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أشفع لأمتي حتى ينادي ربي تبارك وتعالى: أرضيتَ يا محمد؟ فأقول: إي رب رضيت ([143]). وأخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وابن حبان، والبيهقي، والطبراني عن عوف بن مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن ربي خيّرني أن يدخل نصف أمتي الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب، وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، قال: وهي لكل مسلم ([144])، وروى نحوه الإمام أحمد، والطبراني أيضاً بسند جيد عن معاذ بن جبل، وفيه: وعلمت أنها أوسع لهم، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً ([145]). وأخرجه أحمد والبيهقي والطبراني في الأوسط عن بريدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني أشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من شجر ومدر ([146])، وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس ولفظه: أكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر ([147]). وأخرج الطبراني، وأبو نعيم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم الرجل أنا لشرار أمتي، قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: أما شرار أمتي فيدخلهم الله الجنة بشفاعتي، وأما خيارهم فيدخلهم الله الجنة بأعمالهم ([148]). قال ابن عباس: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأهل الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم([149]). وأخرج الطبراني في الكبير عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعملي ولا تتكلي، فإن شفاعتي للهالكين من أمتي ([150]). قال جابر: من زادت حسناته على سيئاته فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يُحاسب حساباً يسيراً، ثم يدخل الجنة، وإنما شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمن أوبق نفسه وأغلق ظهره. وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس مرفوعاً: ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع ويشفّعني، حتى أقول: أي ربي! شفّعني فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: هذا ليس لك يا محمد، ولا لأحد، هذا لي، وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحداً يقول: لا إله إلا الله ([151]). والأخبار والأحاديث الصحاح والحسان والضعاف في الشفاعة كثيرة ومشتهرة، وأئمة الحديث قد اعتنوا بإفرادها في المؤلفات، والتمسك بها يدل على سقوط تأويلات القائلين بمنعها. وقد أجاب أهل السنة والحديث – كثر الله سوادهم ورفع عمادهم – عن إشكالات المعتزلة حيث قالوا: إن أدلتهم على ما يقتضي اعتقاد الاعتزال تفيد نفي جميع أقسام الشفاعة، وأدلة أهل السنة تفيد ثبوت الشفاعة، فالمثبت يقدّم على النافي، والخاص يقدم على العام، ويجب بناء العام على الخاص، فأدلة أهل السنة تكون مقدمة على أدلة المعتزلة. ولا يوجد في القرآن العزيز ما يدل على نفي الشفاعة للموحدين العصاة حتى يذهب الوهم إلى ما يزعمه هؤلاء؛ إذ الآية: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ([152])، عن العصاة المكذبين بيوم الدين، قال تعالى: يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَائِضِينَ ! وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ ! حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ([153])، فقال: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ([154])، كما هو صريح قوله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ([155])، فإن الاستثناء من النفي إثبات لغة قطعاً، فهو صريح في أنهم يشفعون لكن بعد الإذن؛ لقوله تعالى: وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السَّمَـوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى ([156])، وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً ([157]) أي: ورضي لأجله، وأما من عداه فلا تكاد تنفعه، وإن فُرض صدورها عن الشفعاء المستعدين للشفاعة للناس لقوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ([158])، والاستثناء من أعم المفاعيل، وهو صريح في نفع الشفاعة لمن أذن الرحمن أن يُشفع له، قاله العلامة محمد الأهدل. ولما ثبت بالنصوص القرآنية وقوع الشفاعة ونفعها دل على أن المراد بالظالمين في الآية: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ([159]) الكاملون في الظلم، وهم الكفار؛ إذ الكافر يسمى ظالماً، قال تعالى: الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـانَهُمْ بِظُلْمٍ ([160])، والبخاري في صحيحه قد فسر الظلم مرفوعاً بالشرك([161])، وهكذا حال الآية: وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيّئَاتِ ([162]). وأما الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ([163])، فمن باب المطلق المحمول على المقيد، كما صرح به المفسرون، وهو المقرر في الأصول. وسببه أن قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً ([164]) يدل صراحة على أن الشفاعة واقعة ونافعة، وكذا قوله تعالى: وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السَّمَـوات لاَ تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى ([165]) يدل على وقوعها ونفعها، وكذا قوله تعالى: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ([166]) وقوله: مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ([167]). ولما وردت النصوص الصريحة الدالة على وقوع الشفاعة على وجه لا تقبل التأويل لورودها في سياق النفي والإثبات، وذلك يقضي على جميع الأوهام، فقوله تعالى: وَلاَ شَفَاعَةٌ يحمل على: أي لا شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً، كما صرّح به المفسرون. وبالجملة فالآيات الصريحة تدل على ثبوت الشفاعة ونفعها بعد الإذن والرضاء بالقول. وكل ما ورد في نفي الشفاعة، فذلك للكفار، أو مقيّد بعدم الإذن، ومن الآية: وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ([168]) والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. لكن تخصيص مثل هذا العام بمثل هذا السبب الخاص يكفيه أدنى دليل، وبعد ما دلت الأدلة على ثبوت الشفاعة وجب المصير إليه. والآية: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ([169]) نقيضها: لكن للظالمين حميم وشفيع يطاع، وهذه الموجبة الكلية، ونقيضها السالبة الجزئية، وفي صدق السالبة الجزئية يكفي تحقق السلب في بعض الصور، فثبت أن الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع يطاع، وهم الكفرة، وأما الحكم على كل كافر، وكل عاصٍ موحد قبل التوبة بسلب الحميم والشفيع فليس بصحيح. وحال الآية: لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ([170]) هي حال الآية: وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ([171]). ونقيض الآية: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ([172]) للظالمين من أنصار، وهذه موجبة كلية، و وَمَا لِلظَّالِمِينَ سالبة جزئية، ومدلولها سلب العموم، وذلك لا يفيد عموم السلب. وأما الآية: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ([173]) فعُلم منها ضد هذا الحكم للمؤمنين. وأما الكلام عن الآية: وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ رْتَضَى ([174]) فقد سبق. وأيضاً يقول أهل السنة: إن الأخبار والأحاديث الواردة في إثبات الشفاعة ونفيها كلها موافقة للنصوص القرآنية ومؤيدة لها. فلا رائحة تشم للتعارض، وطرح الأدلة على فرض زعم الزاعم كلام خارج عن قواعد الأصول، والقدح في رواة الحديث بمجرد الزعم من غير مستند باطل. وكيف لا، فقد رواها الشيخان في الصحيحين، وهذان الكتابان كلاهما ـ باتفاق المسلمين إلا من لا يُعتدّ بقوله – أصح الكتب بعد كتاب الله لا سيما صحيح البخاري، فقد خرّج كتابه كما يروون من ستمائة ألف حديث، ولم يُورد في صحيحه حديثاً إلا بعد أداء ركعتين، وقد صحّ أنه لم يورد فيه إلا حديثاً صحيحاً. قال الإمام المروزي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال: إلى متى تدرس كتاب الفقه، ولا تدرس كتابي، قلت: وما كتابك؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل البخاري. وقال الفربري: رأيت البخاري خلف النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ما يضع النبي صلى الله عليه وسلم قدمه موضعاً إلا يضع فيه البخاري قدمه. وقال السيد العلامة محمد بن عبد الرحمن الأهدل مفتي الديار اليمنية: صحيحاهما كنارٍ على علم، أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل بلا شك ولا مرية، كما أطبق عليه المحدثون. وإذا كان المذكوران أصحُ الكتب بعد كتاب الله مقدوحاً فيهما فبأيّ حديث بعدهما يؤمنون، وقول القائل بوجوب العرض على الكتاب لقوله: اعرضوا حديثي على كتاب الله عز وجل، فإن وافقه فهو مني، وأنا قلته رواه الطبراني عن ثوبان([175]). قال العلامة المناوي في شرح الجامع الصغير: ضعَّفه في الأصل([176])، انتهى. قلت: قد صرح الشوكاني وغيره بوضع الحديث المذكور. الحاصل: أن الأحاديث التي استدلوا – أي المعتزلة – بها على معتقدهم فهي في شأن المستحلّ للحرام، أو الكفار، أو المرتدين، أو المنافقين، وأئمة الحديث وعلماء السنة قد تكفلوا ببيان وشرح الأحاديث الواردة في الشفاعة، فليرجع إليه من أراد استيفاء البحث. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند كلامه حول حديث الحوض: قال ابن التين: قوله: سحقاً سحقاً يحتمل أن يكونوا منافقين، أو مرتكبين الكبائر، وقيل: هم قوم من جفاة الأعراب دخلوا في الإسلام رغبة ورهبة. وقال الداودي: لا يمنع دخول أصحاب الكبائر والبدع في ذلك. وقال النووي: هم المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يُحشروا بالغرة والتحجيل لمعرفتهم من جهة الأمة فيناديهم من أجل السيماء التي عليهم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا تذهب عنهم الغرة والتحجيل، ويُطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن يكون عليهم السيماء، بل يناديهم لما كان يعرف من إسلامهم، وقيل: هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام. وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار لجواز أن يذادوا عن الحوض أولاً عقوبة، ثم يُرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فيعرفهم بسيماهم سواء كانوا في زمنه أم بعده. ورجح عياض والباجي وغيرهما ما قال قبيصة راوي الخبر: إنهم من ارتد بعده صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيماء؛ لأنها كرامة تظهر بما عمل المسلم، والمرتد قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم لا بصفتهم باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضاً من كان في زمنه من المنافقين، وفي حديث الشفاعة: وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فدل على أنهم يحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم ولو لم تكن السيماء، فمن عرف صورته ناداه مستصحباً لحاله التي فارقه عليها في الدنيا. وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستبعد لتعبيره في الخبر بقوله: أصحابي ، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعم، واستبعد أيضاً؛ لأنه لا يقال للمسلم ولو كان مبتدعاً: سحقاً ، وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال لمن عُلم أن قُضي عليه بالتعذيب على معصيته ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: سحقاً تسليماً لأمر الله تعالى مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر. وقال البيضاوي: يحتمل أن يراد بهم عصاة المؤمنين المرتدون عن الاستقامة، يبدلون الأعمال الصالحة بالسيئة، انتهى. وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن عن أبي سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثاً، وقال: يا أيها الناس إني فرطم على الحوض إذا جئتم، قال رجل: يا رسول الله! أنا فلان بن فلان، وقال آخر: أنا فلان بن فلان، فأقول: أما النسب فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم ([177])، ولأحمد والبزار نحوه من حديث جابر([178]). قال العلامة السفاريني: والحاصل: أن الذين يذادون عن الحوض جنس المفترين على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم من المحدثين في الدين من الخوارج والروافض، وسائر أصحاب الأهواء والبدع المظلمة، وكذلك المسرفون من الظلمة المفرطون في الظلم والجور وطمس الحق، وكذا المتهتكون في ارتكاب المناهي، والمعلنون في اقتراف المعاصي. قال القرطبي: قال علماؤنا: كل من ارتدّ عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه ولم يأذن به، فهو من المطرودين عن الحوض، وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين كالخوارج، والروافض، والمعتزلة على اختلاف فرقهم، فهؤلاء كلهم مبدّلون، وكذا الظلمة المسرفون في الجور، والظلم، وطمس الحق، وإذلال أهله، والمعلنون بكبائر الذنوب المستخفّون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والبدع، ثم الطرد قد يكون في حالٍ، ويُقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد، وقد يقال: إن أهل الكبائر يردون ويشربون، وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش. قلت: الظاهر أن كلاً من اثنتين وسبعين فرقة سوى الفرقة الناجية الذين بدَّلوا الدين يطردون عن الحوض. وأهل السنة والجماعة ولو ارتكبوا الكبائر، يستحقون الدخول في الشفاعة وعدم الطرد، إن شاء الله تعالى، وذلك لسلامة عقائدهم التي تعني الاعتقاد باتباع الكتاب والسنة، وإقرار التوحيد مع التصديق بالقلب. والله أعلم بالصواب. وقد ثبت بالنقل المستفيض طلبُ السلف الصالح شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ورغبتهم فيها، فلا ينبغي الالتفاف إلى قول القائل بكراهة طلب الشفاعة بناءً على أن الشفاعة تكون للمذنبين؛ إذ الشفاعة قد تكون لتخفيف العذاب وزيادة الدرجات أيضاً، وكل عاقل معترفٌ بالنقص ومحتاج إلى العفو، وعلى القول الأول يلزم أن لا يطلب المغفرة والرحمة، وهذا خلاف ما عرف عن السلف الصالح . وقد طلب جماعة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم شفاعته صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم أحد، مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وعوف بن مالك وغيرهم، ولم يشعر أحد منهم بالعار في القول الآتي ولم ينكره: اللهم اجعلني ممن تناله شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. وقول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي طالب: تنفعه شفاعتي ([179]) لا يخالف قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ([180])؛ لأن الأول مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعدّوه في الخصائص النبوية. أو أن معنى المنفعة في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث التخفيف عن العذاب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن إثابة الكافر، قال: عذاباً دون العذاب ([181])؛ لقوله تعالى: أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ([182]). وامتناع الشفاعة للكافر مبني على الخبر الصادق بأنه لا يكون أحد شفيعاً للكفار، قال عز وجل: إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ([183])، كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا ([184]). وروى مسلم عن طريق يزيد الفقير: خرجنا في عصابة نريد الحج، فمررنا بالمدينة فإذا رجل يحدث، وإذا قد ذكر الجهنميين، فقلت: ما هذا الذي تحدث به، والله يقول: إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ و كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا ، فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: أسمعت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم الذي يبعثه الله؟ قلت: نعم، قال: فإنه محمد المحمود الذي يُخرج الله به من يخرج من النار بعد أن يكون فيها، ثم نعت وضع الصراط، ومَرَّ الناس عليه، قال: فرجعنا، وقلنا: أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما خرج منها غير رجل واحد([185]). وأخرج البيهقي في البعث قال: ذكر عند عمران بن حصين الشفاعة فقال: إنكم لتحدثون بأحاديث لا نجد لها في القرآن أصلاً فغضب، وذكر له أن الأحاديث تفسر القرآن. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي وهناد رحمهم الله عن أنس رضي الله عنه قال: من كذَّب بالشفاعة فلا نصيب له فيها، ومن كذب بالحوض فليس له فيه نصيب. وأخرج البيهقي عن ابن عباس: أنه خطب فقال: إنه سيكون قوم يكذبون بالشفاعة ويكذبون بالحوض، فمن كذب بهما فلا نصيب له فيهما، ومن صدق بهما فله نصيب منهما. وقال شيخ الإسلام محمد بن أحمد السفاريني في " لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرّة المضية في عقد الفرقة المرضية " : اعلم أن للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات: الأولى: الشفاعة العظمى التي يشفع فيها لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم بعد أن تدافعها الأنبياء أصحاب الشرائع آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وهي المقام المحمود، قال: وهذه الشفاعة العامة التي خُص بها نبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء، وهي لأهل الموقف لأجل حسابهم ويراحوا من الموقف، وهي المرادة بقوله: لكل نبي دعوة مستجابة إلخ. قال السيوطي: هذا حديث متواتر، انتهى. وهي مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر؛ إذ هي للإراحة من طول الوقوف حين يتمنون الانصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار. الثانية: يشفع عند ربه في إدخال قوم من أمته الجنة بغير حساب، وهذه خاصة به أيضاً، كما قاله عياض، وجزم به السيوطي في (( أنموذج اللبيب )) والنووي، وتردد ابن دقيق العيد وتبعه الحافظ ابن حجر قال: فإن الاختصاص إنما يثبت بالدليل، ولا دليل عليه، وقد روى حديث هذه الشفاعة مسلم في صحيحه([186]). ثالثتها: شفاعته صلى الله عليه وسلم في قوم استوجبوا النار بأعمالهم فيشفع فيهم فلا يدخلونها، وهذه جزم القاضي، وابن دحية، وابن السبكي بعدم اختصاصها به صلى الله عليه وسلم، وتردد النووي في ذلك، قال السبكي: لأنه لم يرد نص صريح بثبوت الاختصاص ولا بنفيه، وجزم في الأنموذج بأنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم. رابعتها: في رفع درجات ناس في الجنة، وهذه لا تنكرها المعتزلة كالأولى، إلا أن النووي جوّز اختصاصها به، وجزم بذلك في كتابه (( الانتقاد )) . خامستها: الشفاعة في إخراج عموم أمته من النار، حتى لا يبقى منهم أحد، ذكره السبكي. سادستها: الشفاعة لجماعة من صلحاء المسلمين ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات، ذكره القزويني في (( العروة الوثقى )) ، قال: والحاصل: أن الإيمان بالشفاعة واجب، وقد قدمنا من النصوص ما لعلّه يقلع شروش الاختلاج من خواطر من أذعن لها، وخلع من عنقه ربقة تقليد أهل الزيغ والاعوجاج، كيف والنصوص متواترة والآثار متعاضدة، والعقل الصحيح لا يستحيل ذلك، والنقل الصريح ناطق بما هنالك، فدعْ عنده نحلة فلانة وفلان، واعقد قلبك على ما صح عن سيد ولد عدنان وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، فإنه الحق الذي لا عقل يحيله، ولا نقل يزيله. انتهى المقصود منه ملخصاً. قلت: روى البخاري عن عمر بن الخطاب: أنه خطب فقال: إنه سيكون في هذه الأمة قوم، الحديث، وفيه: يكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا([187]). وأخرج البيهقي عن أنس أنه قيل له: إن قوماً يكذبون بالشفاعة، قال: لا تجالسوا أولئك. وأخرج أيضاً أنه قال: يخرج قوم من النار، ولا نكذب بها، كما يكذب أهل حروراء. وقال العلامة السفاريني أيضاً: والحاصل أنه يجب أن يعتقد أن غير النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الرسل، والأنبياء، والملائكة، والصحابة، والشهداء والصديقين، والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون، وبقدر جاههم ووجاهتهم يشفعون لثبوت الأخبار بذلك، وترادف الآثار على ذلك، وهو أمر جائز غير مستحيل، فيجب تصديقه، والقول بموجبه لثبوت الدليل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول شافع، وأول مشفّع روى هذا اللفظ أبو هريرة عند مسلم([188])، وأخرجه البيهقي أيضاً عن جابر بن عبد الله وعن عبد الله بن سلام([189]). وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يشفع يوم القيامة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء ([190]). وأخرج البزار في آخره: ثم المؤذنون ([191]). وأخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليدخلن الجنة قوم من المسلمين قد عُذّبوا في النار برحمة الله وشفاعة الشافعين ([192]). وأخرج الإمام أحمد، والبيهقي من حديث حذيفة نحوه([193]). وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يشفّع الله آدم يوم القيامة من جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف ([194]). وأخرج ابن أبي عاصم، والأصبهاني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُجاء بالعالم والعابد، فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: قف حتى تشفع للناس .وأخرج البيهقي من حديث جابر مثله، وزاد في آخره: بما أحسنت أدبهم .وأخرج([195]) الديلمي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً يقال للعالم: اشفع في تلامذتك ولو بلغ عددهم نجوم السماء .وأخرج أبو داود، وابن حبان عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ([196]). وأخرج الإمام أحمد، والطبراني مثله من حديث عبادة بن الصامت([197])، والترمذي وابن ماجه من حديث مقدام بن معدي كرب ([198])، وأخرج البزار والبيهقي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليشفع في الرجل والرجلين، والثلاثة يوم القيامة ([199]). وأخرج الترمذي، والحاكم وصححاه، والبيهقي عن عبد الله بن أبي الجدعاء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم، قالوا: سواك يا رسول الله؟ قال: سواي ([200])، قال الفريابي رحمه الله: يقال: إنه عثمان بن عفان. وأخرج البيهقي عن الحسن مرفوعاً: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر ([201]). وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن الحارث بن قيس مرفوعاً: إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر، وإن من أمتي من سيعظم للنار حتى يكون أحد زواياها ([202]). وأخرج الإمام أحمد([203]) مثله من حديث أبي برزة، وهناد مثله من حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين ربيعة ومضر ([204]). وأخرج الترمذي وحسنه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أمتي لرجالاً يشفع الرجل منهم في الفئام من الناس، فيدخلون الجنة بشفاعته، ويشفع الرجل منهم للقبيلة، فيدخلون الجنة بشفاعته، ويشفع الرجل منهم للرجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته ([205]). وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه [أن النبي] صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال الشفاعة بالناس وهم يخرجون من النار، حتى إن إبليس ليطاول له رجاء أن تصيبه ([206]). وأخرج البزار عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيته ([207]). والحاصل: أن للناس شفاعات بقدر أعمالهم، وعلو مرتبتهم وقربهم من الله تعالى، والقرآن يشفع لأهله، والإسلام لأهله، والحجر الأسود يشفع لمستلمه ولكن وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ([208])، مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ([209]) انتهى كلام السفاريني. قال العبد الضعيف عفا الله عنه ورزقه شفاعة أول شافع ومشفع: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه ([210]). وأخرج أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة ([211])، وأخرج مسلم نحوه من حديث ابن عمرو([212])، وفي سنن سعيد بن منصور من طريق أبي أيوب السختياني عن فقيه من فقهاء الكوفة قال: ما من مسلم يسمع النداء فيقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة المتفترضة أعط محمدا سُؤله يوم القيامة إلا أدخله الله في شفاعته .وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يثبت أحد على لأواء المدينة وجدبها إلا كنت له شفيعاً، أو شهيداً يوم القيامة ([213])، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ([214])، وابن عمر([215])، وأبي هريرة([216]). والطبراني من حديث زيد بن ثابت([217]) وأبي أيوب([218]). والبزار من حديث عمر([219]). وأخرج الترمذي وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني شفيع لمن يموت بها ([220]). وأخرج الطبراني عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي، وكان يوم القيامة من الآمنين ([221]). وأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى علي حين يصبح عشراً، وحين يمسي عشراً أدركته شفاعتي يوم القيامة ([222]). وأخرج الترمذي، وابن حبان عن ابن مسعود مرفوعاً: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ([223]). وروى ابن أبي عاصم في السنة، والبزار، والطبراني بسند حسن عن رويفع بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي ([224]). وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم عن خادم النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مما يقول للخادم: ألك حاجة، حتى كان ذات يوم قال: يا رسول الله حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة قال: فأعني بكثرة السجود ([225]). وأخرج البزار عن ابن عمر مرفوعاً: من زار قبري وجبت له شفاعتي ([226]). وأخرجه الطبراني بلفظ: من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي، كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة ([227]). وأخرج البيهقي عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة ([228]). وقد تكلم نقاد المحدثين في صحة إسناد هذه الأحاديث الثلاثة، فهي موضوعة عند الأكابر، وضعيفة عند الأصاغر. وأما الذين لا تنالهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ويُحرمون منها بسبب اتصافهم بالبدع وسوء البضاعة، فقد روى أبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: المرجئة والقدرية ([229]). وأخرج البيهقي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ([230]). قال في النهاية: العرب اسم لهذا الجيل المعروف بين الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن، انتهى . والمراد بهم هنا: بنو إسماعيل. وأخرج البيهقي، والطبراني بسند جيد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رجلان لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: إمام ظلوم غشوم عسوف، وآخر غالٍ في دين الله مارق منه ([231]) وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء وغيره من الصحابة رضي الله عنهم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذرُوا المراء، فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة ([232])، والله أعلم.