البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » الفتاوى
العرض
1428/05/25
1428/05/25 
صديق حسن خان القنوجي
  حكم الجمع بين الصلاتين بغير عذر
س حديث الجمع بين الصلاتين في الحضر ثابت أم لا؟ وما هو حكم هذا الجمع؟
قال الترمذي جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين؛ حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر (1)، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه (2)، انتهى. وعدم عمل أهل العلم بالحديث الأخير من جهة أنه ثبت نسخه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الترمذي بعد رواية الحديث المذكور عن جابر قال: ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بِرَجُل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله ، ومثله أخرج أبو داود(3)، والترمذي(4) من حديث قبيصة بن ذؤيب، وفيه: ' ثم أتى به، يعني في الرابعة فجلده ورفع القتل '، وفي رواية لأحمد من حديث أبي هريرة: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكران في الرابعة فخلى سبيله (5)، والعمل بالحديث المنسوخ بعد العلم بنسخه لا يجوز باتفاق أهل العلم. بقي الحديث الأول، فورد بلفظ: من غير خوف ولا سفر ، وبلفظ: من غير خوف ولا مطر (1)، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: لم يقع مجموعًا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث، بل المشهور من غير خوف ولا سفر، انتهى، وآخر الحديث: قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا تحرج أمته (1)، وأورد هذا الحديث الطبراني في الأوسط، والكبير، والهيثمي في 'مجمع الزوائد' عن ابن مسعود بهذا اللفظ: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، قال صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي ، وفي سنده ابن عبد القدوس ضعيف، لكن ضعفه مندفع؛ إذ لا يوجد فيه الكلام إلا من جهة روايته عن الضعفاء، وتشيعه، الأول غير قادح بناءً على أنه ما رواه عن الضعفاء، بل رواه عن الأعمش، كما قال الهيثمي، والثاني ليس بقادح معتد به ما لم يتجاوز الحد المعتبر، وهذا غير منقول عنه، وقد قال البخاري هو صدوق، وقال ابن أبي حاتم لا بأس به، وبالجملة حينما رُوي هذا الحديث في صحيح مسلم وسنن ابن ماجه لا كلام في صحته. القائلون بجواز الجمع مطلقًا والمستدلون بهذا الحديث يقولون يجوز بشرط أن لا يجعله عادةً، قال في فتح الباري وممن قال به ابن سيرين، وربيعة، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث. والجمهور يقولون الجمع بغير عذرٍ لا يجوز، وحكى في 'البحر الزخار' عن بعض أهل العلم أن هذا إجماع، وأجابوا عن هذا الحديث عدة جوابات الأول أن هذا الجمع كان بناءً على المرض، وقوّاه النووي، وقال الحافظ: في هذا الجواب نظر؛ إذ لو كان بناءً على المرض كان ينبغي أن لا يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم سوى المرضى، والظاهر أن هذه الصلاة صلاها جميع الصحابة، وصرح به ابن عباس في روايته. الثاني: أنه كان هناك غيم، فلما صلوا الظهر انكشف الغَيْم، وعلم أن وقت العصر قد وصل فصلوا العصر أيضًا، وقال النووي: هذا الجواب باطل؛ لأنه لو كان له أدنى احتمال لكان في الظهر والعصر، لا في المغرب والعشاء، ولكن قال الحافظ: نفي الاحتمال في الآخر مبني على أن للمغرب وقتًا واحدًا، مع أن المختار خلاف هذا، وذلك أن وقته يمتدّ إلى العشاء، وعلى هذا التقدير بقي الاحتمال قائمًا. الثالث: أنه كان جمعًا صوريًا بتأخير الظهر إلى آخر وقته وتعجيل العصر في أول وقته، قال النووي: هذا الاحتمال ضعيف أو باطل؛ لأنه خلاف الظاهر. قال الحافظ: لكن استحسن هذا الاحتمال القرطبي، ورجَّحه إمام الحرمين وجزم به من القدماء ابن الماجشون، والطحاوي، وقوّاه ابن سيد الناس؛ لأن أبا الشعثاء راوي هذا الحديث عن ابن عباس قال به، ورجَّحه الشوكاني في مؤلفاته، وهو الحق الذي لا محيد عنه، قال في (البدر التمام شرح بلوغ المرام): لا يجوز الاحتجاج بهذا الحديث على جواز الجمع في الحضر؛ لأنه غير معيّن لجمع التقديم والتأخير، كما هو ظاهر رواية مسلم، وتعيين واحد منهما تحكّم، فالعدول عنه إلى البقاء على العموم في حديث الأوقات للمعذور وغيره واجب، وتخصيص المسافر بناءً على ثبوت مُخَصِّصه، وهذا هو الجواب الحاسم، وما رُوي من آثار الصحابة والتابعين ليس بحجة؛ إذ للاجتهاد فيه مسرح، وبعضهم أوّلوا هذا بالجمع الصوري، وهذا التأويل متعين؛ لأنه صرَّح به النسائي في أصل حديث ابن عباس، ولفظه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثمانيًا جمعًا وسبعًا جمعًا، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء (1)، فابن عباس راوي هذا الحديث كأنه صرّح بأن هذا كان جمعًا صوريًا، والعجب من النووي حيث ضعّف هذا التأويل، وغفل عن متن الحديث المروي، والمطلق في الرواية يُحمل على المقيد عندما كان في قصة واحدة، مثل ما هاهنا، انتهى كلام البدر. وقال في (سبل السلام شرح بلوغ المرام) وهو كلام رصين، وقد كنا ذكرنا ما يلاقيه في رسالتنا (اليواقيت في المواقيت) ، انتهى. قال الحافظ ابن حجر: يقوّي الجمع الصوري أنه لا يوجد في جميع طرق هذا الحديث تعرض لوقت الجمع، فيُحْمَل إما على المطلق، وهذا يستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدد بغير عذر، وإما على الصفة المخصوصة غير المستلزمة الإخراج، وجمعوا به بين الأحاديث المتفرقة، فالجمع الصوري أولى، والله أعلم، انتهى. قال الشوكاني في (الدراري المضيئة) : إن كان هذا جمعًا صوريًا فلا يكون جمعًا في الحقيقة؛ إذ كل صلاة تصلى في وقتها المضروب لها، بل يكون جمعًا في الصورة، أما جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير مطر ولا سفر فوقع التصريح في بعض الروايات بأنه كان جمعًا صوريًّا، بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري، وقد أوضحنا ذلك في رسالة مستقلة، واختلفوا في جواز الجمع بغير عذر، والحق عدم جوازه، والتوقيت واجب بناءً على ورود الأوامر الصحيحة بتأدية الصلاة لوقتها، والنهي عن تأديتها في غير وقتها المضروب لها، انتهى. قال في (نيل الأوطار) : ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري ما أخرجه مالك في الموطأ، والبخاري، وأبو داود عن ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها (1)، فنفى ابن مسعود مطلق الجمع، وحصره في جمع المزدلفة، مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة، وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري، ولو كان جمعًا حقيقيًا لتعارض روايتاه، والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب، ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضًا ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما ، وهذا هو الجمع الصوري، وابن عمر هو ممن روى جمعه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه، وهذه الروايات معينة لما هو المراد بلفظ (جمع) لما تقرر في الأصول من أن لفظ: (جمع بين الظهر والعصر) لا يعم وقتها، كما في (مختصر المنتهى) وشروحه، والغاية وشرحها، وسائر كتب الأصول، بل مدلوله لغةً: الهيئة الاجتماعية، وهي موجودة في جمع التقديم، والتأخير، والجمع الصوري، إلا أنه لا يتناول جميعها، ولا اثنين منها؛ إذ الفعل المثبت لا يكون عامًا في أقسامه، كما صرح بذلك أئمة الأصول، فلا يتعين واحد من صور الجمع المذكور إلا بدليل، وقد قام الدليل على أن الجمع المذكور في الباب هو الجمع الصوري، فوجب المصير إلى ذلك، انتهى. بعده قال: ومما يدل على أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز إلا لعذر ما أخرجه الترمذي(1) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر ، وفي إسناده حنش بن قيس وهو ضعيف، ومما يدل على ذلك ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب العلل منه (2) إلخ، وقد تقدم. ثم قال: ولا يخفاك أن الحديث الصحيح، وترك الجمهور العملَ به لا يقدح في صحته، ولا يوجب سقوط الاستدلال به، وقد أخذ به بعض أهل العلم كما سلف، وإن كان ظاهر كلام الترمذي أنه لم يأخذ به أحد، ولكن قد أثبت ذلك غيره، والمثبت يُقدم، فالأولى التعويل على ما قدمنا من أن ذلك الجمع صوري، بل القول بذلك متحتم لما سلف، وقد جمعنا في هذه المسألة رسالة مستقلة سميناها (تشنيف [السمع] بإبطال أدلة الجمع) ، فمن أحب الوقوف عليها فليطلبها، انتهى. والإمام العلامة أبو البركات مجد الدين ابن تيمية الحرّاني رحمه الله بعد إيراده لحديث ابن عباس وغيره في المنتقى قال: قلت: وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر والخوف والمرض، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع وأخبار المواقيت، فيبقى فحواه على مقتضاه، وقد صح الحديث في الجمع للمستحاضة، والاستحاضة نوع مرض، ولمالك(3) في الموطأ عن نافع: أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم ، وللأثرم في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. الحاصل: أن ما تبيّن وثبت بعد جمع أحاديث الباب وتتبع مذاهب العلماء المحققين هو عدم جواز الجمع في الحضر بغير عذر بالاتفاق، وجمع النبي صلى الله عليه وسلم محمول على الجمع الصوري، ومن ذهب إلى جوازه اشترط ألاّ يجعله خلقًا وعادةً، فتعين العمل بمذهب الجمهور، والله أعلم بالصواب.