البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » الفتاوى
العرض
1428/05/25
1428/05/25 
صديق حسن خان القنوجي
  حكم الخطبة وصلاة الجمعة
هل صلاة الجمعة مثل غيرها من الصلوات الخمس فرض عين أو فرض كفاية؟ والخطبة فيها شرط أم لا؟
صلاة الجمعة فرض عين لا فرض كفاية، وقال 'في وبل الغمام' كنت أرى وجوبها على الكفاية، ثم ترجح عندي أنها من فروض الأعيان، ولكن على من سمع النداء، وقد بسطت الكلام في هذا في 'شرح المنتقى'، قال والمراد بهذا النداء هو الواقع بين يدي الإمام ولأنه لم يكن في زمن النبوة غيره، انتهى. ولا يمكن أن يعترض على ما سبق بما جاء في حديث جابر: إن الجمعة واجبة على من كان يؤويه الليل إلى أهله ([7])، ولا يقال دلالة هذا الحديث أرجح من دلالة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجمعة على من سمع النداء ([8])؛ وذلك بناء على أن هذا الحديث يدل على وجوب الجمعة على سامع النداء بفحوى الخطاب، والحديث الأول يدل على عدم الوجوب عليه بمفهومه، وفحوى الخطاب أرجح من المفهوم. وعدم إمكانية الاعتراض بسبب أنه يجاب عنه بوجهين؛ أحدهما: أن الحديث الثاني ولو رواه الترمذي عن أبي هريرة، لكن بعد إخراجه قال إن إسناده ضعيف، وبيّن علة الضعف، وقال العراقي إنه غير صحيح. ثانيهما: أنه يمكن الجمع بينه وبين الحديث الأول ـ على افتراض صلاحيته للاحتجاج ـ الجمع، حيث يقيّد حديث سماع النداء بأن يكون بيت ا لسامع قريبًا، ويصل إلى أهله حتى الليل فتجب عليه، لا أن يكون بيته بعيدًا ولا يصل إليه حتى الليل ففي هذه الحالة لا تجب عليه الجمعة بمجرد سماع النداء بناءً على المشقة التي في هذا العمل، وهكذا هي مثل غيرها من الصلوات الخمس. وتصح صلاة الجمعة بدون سماع الخطبة، ومن يقول: لا تصح بدون سماع الخطبة كأنه ادعى أن الخطبة شرط أو ركن في هذه الصلاة؛ إذ يقتضيه البطلان، لكن شرطيتها وركنيتها هذه غير ثابتة؛ إذ كون شيء شرطًا لشيء آخر لا يثبت إلا بدليل دالٍّ على عدم وجود المشروط عند عدم هذا الشرط، مثل النفي المتوجه إلى الذات التي وقع التكليف بها بقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ونحوه، وهذا النفي متوجه إلى الذات الشرعية؛ ولهذا أفاد أنه لا صلاة شرعية بدون الفاتحة، وعندما لا توجد الذات الشرعية التي وقع التكليف بها يبقى الخطاب، وعلى تقدير وجود الذات الشرعية يسقط الخطاب. ومما يصلح للاستدلال على شرطية شيء لشيء آخر النهي الصريح المتعلق بفعل الذات عند عدم ذلك الشيء، كقول القائل لا يصلي أحدكم وهو محدث، ونحو ذلك، حيث النهي هنا يدل على الفساد المرادف للبطلان لو كان لذات الشيء أو جزء ذاته، لا لأمر خارج، كما قرّره أهل الأصول، ولا فرق بين هذا القول وبين قولِ من يقول النهي يدل على التحريم أو القبح. هكذا لو قال الشارع من فعل كذا بدون كذا ففعله خداج، أو باطل، أو غير صحيح، أو غير مجزئ، أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى ويفيد هذا المفاد، فالقول مثل هذا يستحق أن يُستدَلَّ به على شرطية شيء لشيء آخر. وذهاب ركن من أركان الشيء الذي وقع التعبد به يكون حيث ينقص ركعةً، أو ركوعًا، أو سجدةً في الصلاة؛ إذ جاء التعبد بالصلاة بصورة مخصوصة، وكلما نقصت الصلاة وخرجت عن الهيئة المطلوبة من الشارع فذلك نقصان ذاتي، وفاعلها ليس بفاعل للصورة المطلوبة من الشارع. ويجب على من يدّعي صحةَ مثل هذه الصلاة أن يأتي بدليل، ومانع الصحة يكفيه الوقوف موقف المنع، حتى يأتي مدعي الصحةِ بما ينقل من موقف المنع، ولا يمكن أن ينقل من موقف المنع إلا دليل صحيح دال على كون هذه الصورة الناقصة صحيحة ومجزئة، ومسقطة للقضاء. فلو قال فيما نحن فيه قائل الخطبة شرط لصلاة الجمعة أو شطر لها يحق للمانع أن يطالب مدعي الشطرية أو الشرطية دليلاً، ويقف نفسه موقف المنع. ويقول لا أسلم شرطية الخطبة أو شطريتها لصلاة الجمعة، ولا يستفيد المدعي شيئًا حتى يحصل على دليل دالٍّ على أن الخطبة شرط للصلاة. ومن المعلوم أنه لا يدل على الشرطية إلا هذه الأدلة الخاصة السابقة، لا مجرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب، أو أمر بالخطبة أو نحوه. وهكذا لا يمكن ادعاء كون الخطبة ركنًا لهذه الصلاة؛ إذ تحريم صلاة الجمعة التكبير، وتحليلها التسليم، وكل ما لا يكون بين تحريمها وتحليلها لا يكون من الصلاة فضلاً عن كونه شطرًا لها، لم يبق إلا ادعاء كون ذلك الشيء الخارج من صلاة الجمعة ـ وهو الخطبة ـ شرطًا، وأن الشرط كما يكون داخلاً في الشيء ومصاحبًا له قد يكون خارجًا منه، لكن أين الدليل على هذا الادعاء؟ وقد جاء في الصحيحين وغيرهما: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ([9])، وهذا يشمل صلاة الجمعة وغيرها من الصلوات، وفيه دليل على أن صلاة الجمعة مثل سائر الصلوات، فمدرك ركعةٍ منها يكون مدركًا للصلاة، وهذا الإدراك يكون بإتمام ما بقي، لا بإدراك ركعة فقط بدون الإتمام، فكل من أدرك ركعة من الصلاة يصلي الركعة الثانية ولو ذهب وقت الصلاة بعد إدراك الركعة المذكورة وقبل إتمام بقية الركعات، هذه هي حال إدراك ركعة من صلاة الجمعة مع بقاء الوقت، والتمكن من تأدية الركعة الباقية في وقت تكون صحيحة ومجزئة بدون شك، وهو الحق، والدليل على المانع، وأين البرهان على ذلك؟ وما هو؟ ولا يُعتَرَض بأن كلاً من الخطبة والصلاة مأمور بالسعي على جهة الاستقلال، فيكون كل واحد منهما واجبًا مستقلاً بالذات؛ إذ كل من أدرك الواجبين فقد أدركهما، وكل من أدرك واحدًا منهما فقد أدركه، وأين الدليل على شرطية أحدهما أو شطريته للآخر؟ وهذا هو محل النزاع، وخلاصة ما تفيد الآية أن فيها أمرًا بالسعي، فيحصل وجوب السعي، لا وجوب ما إليه السعي، ولو سلمنا أن وجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه فغايته أن استماع الخطبة يجب على الساعي، وهذا الواجب يكون مستقلاً بالذات، مثل وجوب فعل الصلاة، أما كون أحد الواجبين حيث ينفصل أحدهما عن الآخر شرطًا أو شطرًا للآخر فليس بحاصل، حتى يؤثر عدم سماع الخطبة في عدم الصلاة، وما فهمه الصحابة من الآية هو الدعاء إلى الصلاة فقط. قال الشوكاني في 'وبل الغمام': لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا وخطب فيها، إنما دعوى الوجوب إن كانت بمجرد فعله المستمر فهذا لا يناسب ما تقرر في الأصول، وأما الأمر بالسعي إلى ذكر الله فغايته أن السعي واجب، وإذا كان هذا الأمر مجملاً فبيانه واجب، فما كان متضمنًا لبيان نفس السعي إلى الذكر يكون واجبًا، فأين وجوب الخطبة قال وهذا ا لنزاع في نفس الوجوب، وأما في كون الخطبة شرطًا للصلاة فعدم وجود دليل يدل عليه لا يخفى على عارف، فإن شأن الشرطية ـ كما عرفت غير مرة ـ أن يؤثر عدمها في عدم المشروط، فهل من دليل على أن عدم الخطبة يؤثر في عدم الصلاة، انتهى. وبعض الأحاديث المروية في إدراك ركعة من الجمعة صححها الأئمة المعتبرون، وحسنوا بعضها، وفي بعضها مقال، ولو افترضنا ألاَّ يوجد فيها صحيح ولا حسن فهي بمجموعها مع كثرة طرقها وتباين مخارجها تكون من قبيل الحسن لغيره، والحسن لغيره معمول به، فماذا يعني العدول عن تلك الروايات المرفوعة؟ وقد ثبت عن طريق جماعة من الصحابة في الصحيح وغيره إن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من صلاة الفجر ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ([10]) ولهذا الحديث ألفاظ أُخَر لا يسعها هذا المقام. والألفاظ المشار إليها متواترة المعنى في أن إدراك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت، أو إدراكها مع الإمام إدراك للصلاة، ويُتِمُّ ما بقي، ولا خلاف بين المسلمين في أن صلاة الجمعة صلاة، ولها من الركعات يمكن إدراكها كما لغير صلاة الجمعة ركعات يمكن إدراكها، ولو قالوا: هناك برهان على عدم كون صلاة الجمعة مثل غيرها، لقلت: ما هو هذا البرهان؟ ومع أن صلاة الجمعة صلاة ذات أركان وأذكار، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، بل تقوم مقام غيرها من الصلوات مثل ظهر يوم الجمعة فما هو الموجب لإخراجها من غيرها؟ فلو قالوا: مخرجها من هذه العمومات رواية بعض الصحابة، لقلت ـ مع قطع النظر عن أن قول الصحابي ليس بحجة ـ ، هل تخصيص السنن المتواترة بمثل هذا القول مختص بهذه المسألة المسئول عنها أو يجري في غيرها؟ لو قالوا: موجود في غيرها، لقلت: ما دليله؟ ولو قالوا: مختص بهذه العبادة وحدها، لا بغيرها، فتخصيص هذه العبادة بهذه الخصوصية، لا العبادات الأخرى تعسف بل تلاعب بها أقوال الرجال يمينًا وشمالاً، واحد يقول: لا تصح الجمعة إلا بأربعين، وآخر يحدد زيادة على هذا العدد، وفلان يقول بأقل منه، وفلان يشترط مصرًا جامعًا، وواحد يقول تكون الجمعة حيث توجد الحمامات والمساجد ويسكن هناك عشرة آلاف، وآخر يبين أقل من هذا، وثالث يحدد أكثر منه، ورابع يشترط الإمام الأعظم زائدًا على الشروط التي اشترطوها، والاختراعات التي أوجدوها، ويقول آخر سماع الخطبة شرط وإلا لا يكون مدركًا لصلاة الجمعة. الحاصل أن كل واحد يدلي دلوه، ويرفع صوته، ويتكلم كلامًا جديدًا متنوعًا. ليتنا نعرف ما هي حال هذه العبادة بين سائر العبادات؟ حيث يثبتون لها أمورًا كشروط، وفرائض، وأركان لا يحق لأي عالم محقق عارف بكيفية الاستدلال أن يعتبرها سننًا ومندوبات فضلاً عن اعتبارها فرائضَ وواجباتٍ، فكيف اعتُبِرت شروطًا؟ قال في 'وبل الغمام' هذا بالهذيان أشبه منه بالعرفان، وما يعجزنا أن نستدل بقوله تعالى: وَأَقِيمُواْ الصَّلواةَ [البقرة 43] على اشتراط مثل هذا العدد في سائر الصلوات؟ قال: وإني ـ كما علم الله ـ لا أزال أُكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين، وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به، وهو على شفا جرف هار، ولم يختص هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار، ولا بعصر من العصور، بل تبع الآخر الأول كأنه أخذه من أم الكتاب وهو حديث الخرافة، وقد كثرت التعينات في هذه العبادة، هذا يقول شرطها إمام عادل، وهذا يقول شرطها كذا وكذا من العدد، وهذا مسجد في مستوطن، وهذا يجمع بين المتردية والنطيحة وما أكل السبع، فيعتبر جميع هذه الأمور بلا برهان، ولا قرآن، ولا شرع، ولا عقل، انتهى. وبالجملة دخول هذه الصلاة تحت عموم الصلوات متأكد بأدلة خاصة تصرح به، والشارع سلك طريق المبالغة في بيانها فقال: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته ([11])، فلم يكتف بمجرد الإدراك، بل ضم إليه إضافة ركعة أخرى، ولم يكتف بهذا أيضًا حتى جاء بلفظ هو دافع لكل علة وناقع لكل غلة، فقال ـ وقد تمت صلاته ـ الآن من يتجرأ على أن يقول ما تمت صلاته؟ وأي دليل لدى القائل على أن صلاة الجمعة ما تمت لغير سامع الخطبة؟ أو لا تقبل إلا بسماع الخطبة ؟ أو من لا يسمع الخطبة لا يصلي صلاة الجمعة؟ ولم يوجد في السنة المطهرة حرف من هذا القبيل، بل لا يوجد قول يشتمل على الأمر به ويمكن أن يُستفاد منه الوجوب فضلاً عن استفادة الشرطية أو الشطرية. وكل ما هنا مجرد الأفعال المحكية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب، وقال في الخطبة كذا وكذا، وغاية ما فيه أن الخطبة قبل صلاة الجمعة سنة من السنن المؤكدة، لا واجبة فضلاً عن كونها شرطًا لصلاة الجمعة، وقد صرح الشارع بأنه تعالى استبدل لهذه الأمة يوم الجمعة صلاة بصلاة الظهر وهي الجمعة، وأمر بها، ونهى عن تركها، وتوعد تاركها وقال: ينبغي أن يحرق بيته بالنار، ويطبع الله تعالى على قلب تارك الجمعة ويختم عليه، ويكون من الغافلين، وغيرها من النصوص الصريحة الكثيرة، ولم يرد في لفظ من هذه النصوص ذكر الخطبة، ولا ذكر ما يدل على وجوب الخطبة فضلاً عن كونها شرطًا للصلاة، ولم يرد وعيد على ترك الخطبة لا بالتصريح ولا بالتلويح، فالعجب من المنصف الذي اعتبرها فريضة مثل فرائض الصلاة، بل تجاوز فرضيتها إلى شرطيتها لصلاة الجمعة. وما أحسن ما قاله شيخنا وبركتنا الشوكاني في 'الفتح الرباني' فليتأمل المنصف هذا بعين بصيرة، وليدع ما يعرض له من أسباب العدول عن الصواب، فالدين دين الله، والتكليف هو لعباد الله، والشريعة المطهرة الموضوعة بين ظهراني هذا العالم هي ما في كتاب الله وسنة رسوله، وليس أحد من العباد بمستحق للمحاولة والمصاولة عن قوله على وجه يستلزم طرح ما هو ثابت من الشريعة، فأهل العلم أحياؤهم وأمواتهم وإن بلغوا في معرفة الشريعة المطهرة إلى حد يقصر عنه الوصف، وفي التقييد بها إلى مبلغ تضيق عنه العبارة، وفي جلالة القدر ونبالة الذكر إلى رتبة يضيق الذهن عن تصورها، فهم رحمهم الله متعبدون بهذه الشريعة كتعبدنا بها، وتابعون لا مُتَّبَعون، ومُكَلَّفون لا مكلِّفون، هذا يعمله كل من لديه نصيب من علم الشريعة، انتهى. والله أعلم. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية.