البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » الفتاوى
العرض
1428/05/25
1428/05/25 
صديق حسن خان القنوجي
  حكم تحية المسجد في أوقات النهي
هل أداء ركعتي صلاة التحية في الأوقات المكروهة أولى أو تركهما؟
هذه المسألة من المضايق التي تحير فيها فحول علماء الأصول، ولا يَسَعُ المنصفَ عند إمعان النظر في هذه المسألة إلا التوقف. بيانه أن أحاديث الأمر بالتحية عامة تشمل جميع الأزمان، ومنها الأوقات المكروهة، وأحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المخصوصة تشمل جميع الصلوات، ومنها صلاة التحية، فيكون بين هذه الأحاديث عموم وخصوص من وجه، فالأحاديث بنوعيها تجتمع في مادة، ويختص كل نوع منهما في مادة أخرى، والمادة التي تختص بها أحاديث التحية هي الأوقات التي لا كراهة فيها، والمادة التي تختص بها أحاديث النهي عن الصلاة هي الصلوات غير التحية في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، فأحاديث التحية تدل على أن أداءها في تلك الأوقات مشروع، وتخصيص أحد العمومين بالآخر ليس بأولى من تخصيص الآخر بالأول، فلم يبق إلا سلوك طريق الترجيح، ولا سبيل إليه؛ إذ كل واحد من هذين العمومين في الصحيحين بطرق متعددة، وكل واحد منهما يشتمل على النهي أو النفي بمعنى النهي، وبهذا الاعتبار انتفى الترجيح من جهة صحةِ المتن والسند، وتعدد الطرق والاشتمال على دليل الحصر، فإن أمكن الترجيح بغير هذا فذاك. ذهب الشافعية إلى التمسك بعموم أحاديث التحية، وذهب الحنفية والليث والأوزاعي إلى التمسك بعموم أحاديث النهي، وهذان المذهبان يشتملان على التحكم المحض لما عرفت. احتج الشافعية على جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات الكراهة بحديث: أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتي الظهر ([40])، وهذا الحديث مع كونه أخص من الدعوى لا يكون منتهضًا للاحتجاج على المطلوب من جهة أنه ثبت عند أحمد وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له أم سلمة أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال لا ([41])، ففيه إشعار بأن أداء هاتين الركعتين في ذلك الوقت كان مختصًا به، ولو سلمنا عدم الاختصاص به فغايته أنه يجوز قضاء سنة الظهر، لا أنه يجوز جميع ذوات الأسباب، فينبغي اقتصاره عليه. لو قالوا: ما سبب عدم إلحاق بقية ذوات الأسباب بهاتين الركعتين، وعدم تخصيص عموم النهي بهذا القياس؟ لقلت: بعد التسليم بصحة هذا القياس [لا] يكون صالحًا للتخصيص ألبتة عند من يجوّز التخصيص به، لكن الدليل السابق يقتضي اختصاصه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أم سلمة ولو ضعفه البيهقي لكن تؤيده رواية أبي داود عن عائشة أنها قالت: كان يصلي بعد العصر وينهى عنها . نعم، يمكن تخصيص عموم النهي بحديث يزيد بن الأسود الذي رواه الخمسة([42]) إلا ابن ماجه قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا، فقال: علَّي بهما، فجيء بهما ترتعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا؟ فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعةٍ فصليا؛ فإنها لكما نافلة ، وفي هذا الحديث دليل على جواز أداء هذه النافلة المخصوصة مع الجماعة بعد صلاة الصبح، ويلحق به الوقت بعد العصر؛ إذ كلاهما سيّان، لكن لا يصح إلحاق صلاة من يدخل المسجد، وقد صلاها قبل الدخول ولا توجد جماعة بصلاتهما مع الجماعة، والقعود عند قيام الصلاة أمر منكر يستبشعه كل من يطلع عليه؛ ولذا قال لهما: أمسلمان أنتما؟ ([43]). ومن مخصصات عموم النهي حديث ابن عباس عند الدارقطني، والطبراني، وأبي نعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في التلخيص قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا بني عبد المطلب، أو يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت ويصلي، فإنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا عند هذا البيت يطوفون ويصلون ([44]) ، وهذا الحديث ولو قال الحافظ في التلخيص إنه معلول، لكن له شاهد عند أهل السنن([45])، وابن خزيمة، وابن حبان([46])، والدارقطني([47]) من حديث جبير بن مطعم، وأما نسبة مجد الدين ابن تيمية في 'المنتقى' لهذا الحديث إلى مسلم فليست إلا وهمًا؛ لأنه قال رواه الجماعة كلهم إلا البخاري. ويشهد له أيضًا ما عند الدارقطني([48]) من حديث جابر، وما عند ابن عدي من حديث أبي هريرة. والإشكال الذي ذكرته ليس مختصًا بتحية المسجد، بل يكون في كل ما يكون دليله أعمّ من أحاديث النهي من وجه وأخص من وجه، مثل أحاديث قضاء الفوائت، وصلاة الجنازة، وصلاة الكسوف، والركعتين عقب الظهر، وصلاة الاستخارة، وكل ما يرد هذا المورد، وهنا يتعين التوقف حتى يقع الترجيح بأمر خارج. وبالنسبة لمسألة الباب ينبغي تجنبُ دخولِ المساجد في أوقات الكراهة؛ إذ الأدلة الصحيحة دالة على وجوب أداء التحية وتحريم تركها. قال الشوكاني: وقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة، وأحاديث النهي دلت على تحريم مطلق الصلاة في تلك الأوقات، فالداخل فيها يقع في أحد المحذورين لا محالة، انتهى. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله أعلم.