البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » الفتاوى
العرض
1428/05/25
1428/05/25 
صديق حسن خان القنوجي
  حكم الحج عن الغير وبيان ما يلحق الميت من عمل غيره
هل حديث: دين الله أحق أن يقضى يقدم على دين الآدمي أم لا؟ وهل يصحّ حج غير القريب عن الميت بالأجرة أو بدونها أم لا؟ وهل ثابتٌ لحوقُ قُرَبِ الغير بالإنسان أو مختص ببعض القُرَب وبعض الأشخاص؟
تمام حديث ابن عباس الثابت في الصحيح وغيره هكذا: إن امرأةً من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا فالله أحق بالوفاء ، وهذا الحديث مروي عن ابن عباس من عدة طرق، ورد في بعضها 'امرأة من جهينة'، كما في الرواية السابقة، وورد في بعض الألفاظ: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله من الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: فحجي عنه ، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما، وهذه القصة رواها أحمد، والترمذي عن الخثعمية وصححه من طريق علي رضي الله عنه، وأيضًا روى أحمد، والنسائي بإسناد صالح من حديث عبد الله بن الزبير. وفي لفظ من حديثه قال: جاء رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وفي حديث ابن عباس أيضًا قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إن أ بي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان أبوك ترك دينًا عليه أقضيته عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجج عن أبيك أخرجه النسائي([13])، والشافعي، وابن ماجه، والدارقطني. وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على أن القريب إن شاء يحج عن القريب سواء وصى به أم لا، أما حج الأجنبي عن الأجنبي فلم يرد دليل يدل عليه؛ إذ في حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة أخرجه أبو داود([14])، وابن ماجه([15])، وابن حبان([16])وصححه، والبيهقي([17])وقال إسناده صحيح، ولفظ([18])ابن ماجه: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة ، ولفظ الدارقطني([19])قال: هذه عنك وحج عن شبرمة تصريح بما يفيد القرابة بينهما، والحديث أُعِلّ بالوقوف، وهذا ليس بعلة؛ لأن الزيادة بالرفع متعين القبول، على ما ذهب إليه أهل الأصول، وبعض أهل الحديث، قال شيخنا وبركتنا الشوكاني ـ وهو الحق ـ إذا جاءت الزيادة من طريق ثقة، وهي هنا كذلك، فإن الذي رفع الحديث عبد بن سليمان، وهو ثقة من رجال الصحيح، وقد تابعه على ذلك محمد بن بسر، ومحمد بن عبيد الله الأنصاري، وقد اختلف أئمة الحديث على ترجيح الرفع على الوقف أو العكس، فرجح الأول عبد الحق وابن القطان، ورجح الثاني الطحاوي، والحق ما عرفت، وقد قيل إن اسم الملبي نبيشة، وقيل: هو اسم الملبى عنه، انتهى. والقائلون بحج الأجنبي عن الأجنبي استدلوا بحديث ابن عباس هذا أيضًا مع أنه صُرِّح فيه بأن الملبى عنه كان أخاه أو قريبه، فلا يصح الاستدلال به على هذا الحج، وروى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح: أنه لا يحج أحد عن أحد ، ونحوه عن مالك، والليث، ورُوي عن مالك أنه إن أوصى بذلك فليحج عنه وإلا فلا، وقوله صلى الله عليه وسلم: فدين الله أحق بالوفاء ، وفي رواية: أحق بالقضاء دال على أن كل دَين من ديون الله ثبت مشروعية قضائه أحق بالقضاء وأقدم من حقوق الآدميين؛ إذ هذا هو مدلول أفعل التفضيل، والمفضل عليه مقدر، وتقديره هكذا فدين الله أحق بأن يقضى من كل دين؛ إذ تقرر في 'علم المعاني' أن حذف المتعلق في المقامات الخطابية مشعر بالتعميم. ولو افترضنا أنه تقدم مخصصه ببعض الديون؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: لو كان على أبيك دين ، وسلمنا أنه لا يوجد عموم في هذه الصيغة، بل هذه الصيغة خاصة بذلك الآدمي، وهو المطلوب فالمقدر في هذه الحالة يكون هكذا فدين الله أحق بأن يقضى، أو أحق بالوفاء من دين الآدمي، والعموم المستفاد من حذف المتعلق يكون مثل الخاص الذي يدل عليه سياق الكلام. وقيدنا ثبوت مشروعية القضاء من جهة أن بعض الحقوق الواجبة الإلهية على العباد لم يثبت مشروعية قضائه عندما عجز عنه ذلك الرجل الذي وجب عليه هذا الحق، أو مات، وبعضها ورد ثبوت مشروعية قضائه على صفة مخصوصة مثل الحج إذ ثبت قضاؤه عن القريب كما عرفت، لا عن البعيد الأجنبي، وهكذا الصيام؛ إذ جاء فيه: إن من مات وعليه صوم صام عنه وليه ، ولم يرد ما يدل على صوم غير الولي عن الميت، وعلى هذا التقدير لو أدى قريب عن قريبه فريضة الحج، فهذا القضاء الصحيح والمجزئ عنه إجزاء كان أحق من قضاء دين القريب عن القريب، ولم يرد دليل يدل على إجزاء الحج عن العاجز والميت إذا أداه غير القريب بل الأجنبي حتى يكون من الحقوق الإلهية التي هي أحق بالقضاء بالنسبة لدين بني آدم. حاصل الكلام هنا أن إجزاء الحج عن غير القريب بالأجرة أو بدونها ممنوع عندنا فضلاً عن كونه من الحقوق الإلهية الواجبة القضاء، ولا يتم إدراج مثل هذا الحج في الحديث فدين الله أحق أن يقضى إلا بعد إثبات أن هذا الحج مجزئ وإثبات أن هذا الحج دين من ديون الله تعالى يجب قضاؤه، وذلك ببرهان صحيح لا بمجرد القياسات التي لا تقوم بها الحجة، والمناسبات التي ليست من الأدلة في ورد ولا صدر، فمن جاء بالحجة المقبولة فبها ونعمت، ومن لم يأت بذلك فلا يتعب نفسه ويتعب عباد الله بما لم يشرعه الله، ولا أوجبه، واتضح مما ذكرنا الجواب عن السؤال الأول والثاني. أما السؤال الثالث: القيام بالقُرَب من قِبل الغير هل يلحق بالإنسان، أو يختص ببعض القُرَب، وبعض الأشخاص؟ فالجواب عنه أن العمومات القرآنية كقوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم: 39] ونحو هذه الآية تفيد أنه لا يكون للإنسان شيء من الأعمال إلا إذا كان من سعيه وفعله، لكن هذا العموم مُخصَّص بمخصصات، منها: حج القريب عن القريب، كما سبق آنفًا. منها: صوم ولي الميت عن الميت، كما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: من مات وعليه صوم صام عنه وليه . منها: الصدقة من قِبل الولد؛ لما أخرجه مسلم([20])، وأحمد([21])، والنسائي([22])وابن ماجه([23])من حديث أبي هريرة: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي مات ولم يوص أفينفعه أن أتصدق عنه قال: نعم ، ومثله حديث عائشة في الصحيحين([24])وغيرهما: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها، قال: نعم ، ومثله عند البخاري([25])من حديث ابن عباس، وعند أحمد([26])، والنسائي([27]) أن السائل هو سعد بن عبادة، وفي البخاري ما يفيد ذلك. منها: العتق من قِبل الولد، كما وقع في البخاري في حديث سعد. منها: الصلاة من قبل الولد؛ لما روى الدارقطني: أن رجلاً قال يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما، فقال صلى الله عليه وسلم: إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك . منها: الدعاء من الولد؛ لما أخرجه مسلم، وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ([28]). منها: الدعاء من الغير؛ لحديث فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب، وأن الملك يقول: ولك مثل ذلك ([29])؛ ولقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَـانِ [الحشر: 10]، ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة كما في الصحيح وغيره، فقد ثبت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصحابة أن يقولوا عند زيارة القبور: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا ـ إن شاء الله ـ بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية . وحكى النووي الإجماع على وصول الدعاء إلى الميت، وأن الصدقة عن الميت تنفع، وثوابها يصل إلى الميت، ولم يقيد بالولد، وهكذا حكى الإجماع عن لحوق قضاء الدين، ويدل عليه حديث من تبرع عن الميت المديون الذي امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه، فقال: الآن بردت عليه جلدته ، وهو حديث معروف. ومنها: جميع أنواع البر من قبل الولد بحديث: ولد الإنسان من سعيه ([30]). والحاصل: كل عمل من القول والفعل ورد في الشريعة المطهرة كونه مجزئًا من القريب أو غيره، بالوصية أو بدونها فهو مُخَصِّص لعموم الآية الموصوفة، ومخصص لعموم الحديث: إذا مات الإنسان انقطع عن عمله إلا من ثلاث . ومن حصلت له أدلة أخرى سوى ما ذكرنا هنا ينبغي أن يلحقها بها ويجعلها من مخصصات هذه العمومات بشرط أن تكون خارجة مخرج المعمول به، وما لم يرد فيه دليل مخصص، فالحق فيه بقاؤه تحت عموم الآية الكريمة: وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـانِ إِلاَّ مَا سَعَى [النجم: 39]، وتحت عموم الحديث: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله ، وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، وبه يحصل الجمع بين الأدلة. ومن قال بعدم اللحوق مطلقًا ويستدل بالآية الكريمة كالمعتزلة، فقد أهمل في الحقيقة هذه المخصصات الصحيحة المقبولة، وكذلك حال من يقول: كل عمل من كل شخص يلحق بالآخر، كما قال في (شرح الكنز) : إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاةً كان أو صومًا أو حجًّا، أو صدقةً، أو قراءة قرآن أو غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت، وينفعه عند أهل السنة، انتهى؛ إذ هذا أيضًا إهمال لهذه المخصِّصات، وتخصيص بغير مخصص، ولا يقال: إنّه مخصص بالقياس؛ لأن القياس لا يصح في أكثر هذه المخصصات، مثل قياس الأجنبي على القريب، وغير الولد على الولد، وغير الدعاء على الدعاء، والمشهور من كلام الشافعي وأصحابه: أن الميت لا يصل إليه ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابه، وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أن الثواب المذكور يصل إليه، ذكره النووي في الأذكار، وفي (شرح منهاج أبي النحوي) : لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، كذا قال. وقال شيخنا وبركتنا الشوكاني: وعندي أن الميت إذا أوصى بذلك لحق، وإلا فلا؛ لأنه قد ورد الإذن بالاستيجار على تلاوة القرآن، كما ورد في الصحيح: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ([31]) ، وهو في حديث الذي رقى بالفاتحة، وأخذ قطيعا من الغنم، وسوغ له ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو حديث صحيح، ووجه الاستدلال بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سوغ الأجر على التلاوة أفاد ذلك أنه يلحق من سلمه الأجر ثواب التلاوة، وما هو مقصود بها، وأما ما قيل من أن تلاوة القرآن دعاء، وأنه يلحق مطلقًا لما تقدم من الإجماع على لحوق الدعاء، فغير مسلَّم أنه دعاء، بل هو تلاوة للفظ مخصوص، فيه أحكام شرعية، ومواعظ، وعبر، وزواجر، وترغيبات، وترهيبات، وليس ذلك من الدعاء كما لا يخفى، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق.