البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
الصفحة الرئيسة » الفتاوى
العرض
1428/05/25
1428/05/25 
صديق حسن خان القنوجي
  مقدار نفقة الزوجة وجنسها
ما حكم نفقة الزوجة ونحوها، وهل هذه النفقة معارضة مع الحديث: خذي ما يكفيك وولدك ([15]) (1) أم لا؟
المذاهب مختلفة في تقدير النفقة الواجبة بالمقدار المعين وعدم تقديرها، ذهب جماعة من أهل العلم وهم الجمهور إلى أنه لا تقدير للنفقة إلا بالكفاية، وقال بعضهم: يعطي كل يومٍ مُدّين، وكل شهر درهمين للإدام، ويجب على الموسر إعطاء ثلاثة أمداد كل يوم سوى الإدام وعلى المعسر مدّ ونصف وليس هذا بتحقيق، وقال الشافعي: على المسكين والمتكسب مدّ، وعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مدّ ونصف. وقال أبو حنيفة: على الموسر سبعة دراهم إلى ثمانية دراهم في شهر، وعلى المعسر أربعة دراهم إلى خمسة دراهم. يقول بعض الحنفية: هذا التقدير وقت ما تكون الأطعمة رخيصة، وفي غير هذا الوقت المعتبر الكفاية. يقول القاضي العلامة محمد الشوكاني الحق هو عدم التقدير؛ إذ تختلف الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والأشخاص، ولاشك أن بعض الأزمنة يكون أدعى إلى الطعام من بعض الأزمنة الأخرى، وهكذا الأمكنة؛ إذ عادة أهل بعض الأمكنة أكل الطعام مرّتين في اليوم، وفي بعضها ثلاث مرّاتٍ، وفي بعضها أربع مرّاتٍ، وهكذا الأحوال؛ حالة الجدب تستدعي إلى مقدار زائد من الطعام بالنسبة إلى حالة الخصب، وهكذا الأشخاص؛ إذ يأكل البعض صاعًا وما فوقه، والبعض نصف صاع، والبعض أقل من نصف صاع، وهذا الاختلاف معلوم بالاستقراء التام، ومع وجود العلم بالاختلاف التقدير على طريقة واحدة حيف وظلم، ولم يثبت أبدًا في هذه الشريعة المطهرة التقدير بالمقدار المعين، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحيل إلى الكفاية، وكان يقيد الكفاية بالمعروف، كما في حديث عائشة عند البخاري، ومسلم، وأبي داود والنسائي، وأحمد بن حنبل: أن هندًا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ([16]). ففي هذا الحديث الصحيح إحالة إلى الكفاية مع التقييد بالمعروف، والمراد به الشيء الذي يُعرف، وهو خلاف الشيء الذي ينكر، والمعروف الذي أرشد إليه في الحديث شيء معين معلوم أو متعارف بين أهل جهة معينة بل في كل جهة باعتبار الغالب لدى أهل تلك الجهة والمتعارف بينهم، مثلاً المتعارف في أهل صنعاء إنفاق الحنطة، والشعير، والذرة على نفسه وأقاربه، ويكون عندهم في الإدام عادة السمن واللحم، فمن يجب نفقته من الطعام لا يحل أن يقرر إطعامه من غير هذه الأجناس الثلاثة المتقدمة، مثل العدس، والفول، أو يعينوا الشعير والذرة فقط، ولا يكون معه الإدام، أو يكون لكن يكون غير المعتاد مثل الزيت، والتلبينة ونحوها؛ إذ ولو كان لفظ الكفاية يصدق على هذه كلها لكن لا يصدق عليها المعنى المعروف، ولا يصح العمل بالمطلق وإهمال القيد، وأهل البوادي المتصلة بصنعاء والقريبة منها تكون نفقتهم مقدارًا زائدًا، وأقل وأكثر، والمعروف عندهم الكفاية من أي طعام كانت بدون السمن واللحم إلا في الأحوال النادرة، بل قد يكتفون بالتلبينة، وأحيانًا يستندون إلى ما يقوم مقام التلبينة، فيجب على من عليه نفقة أحد، مثلاً إذا كان من أهل صنعاء أن يدفع إليه ما هو معروف عند أهل صنعاء مما قدمنا، وإن كان من أهل البوادي فيجب عليه ذلك المعروف عند أهل البادية مما قدمنا. الحاصل المعتبر في كل مكان هو عرف أهل ذلك المكان، ولا يحل العدول عنه إلا بالتراضي، وهكذا يجب على الحاكم مراعاة المعروف حسب الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والأشخاص مع ملاحظة أحوال الزوج في اليسار والإعسار؛ إذ قال تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ [البقرة 236]. ولما تقرر أن الحق عدم جواز تقدير الطعام بمقدار معين، وكذلك عدم جواز تقدير الإدام بالمقدار المعين، بل المعتبر الكفاية بالمعروف، فيكون المرجع في نفقة الزوجة وغيرها هو المعروف عند أهل ذلك البلد في الإدام جنسًا، ونوعًا، وقدرًا، وهكذا في الفاكهة، ولا يحل الإخلال بشيء مما يتعارفون به لو كان من يجب عليه هذه النفقة قادرًا على إنفاقها، وهذا هو حكم توسع ما يعتاد في الأعياد ونحوها، ويدخل فيها مثل القهوة والسليط، وبالجملة أرشد الشارع إلى الكفاية بالمعروف، ولا بيان بعد هذا الكلام الجامع المفيد. وما قالوه من أن هذا الإرشاد النبوي كان على طريقة الإفتاء لا على طريقة الحكم، فقائل هذا القول غير متمرن بعلم الأدلة، وغير متدربٍ بمسالك الاجتهاد، ويكون هذا القول غفلة كبيرة وبُعدًا عن الحقيقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أفتى إلا بما هو حق وشرع، ومن المقرر أن السنة عبارة عن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، لا عن مجرد الأحكام فقط التي تكون بعد التخاصم وحضور المتخاصمين، ولو كانت السنة هي الأحكام الكائنة على هذه الصفة لا غير لما بقيت حجة على العباد إلا في أقل من عشر معشارها؛ إذ لم يصدر الحكم منه صلى الله عليه وسلم على هذه الصفة إلا في القضايا المحصورة، مثل قضية الحضرمي، والزبير، وعبد بن زمعة، والمتلاعنين. لو سألوا ما سبب تقدير القضاة النفقةَ في هذه الأزمنة بقدح من الأطعمة المتنوعة؟ لقلت هذا تقدير الكفاية بالمعروف؛ إذ هذا القدح غالبًا يكفي لأكثر الأشخاص إلى شهر، لاسيما في مثل صنعاء، وبهذا الحساب يكون لكل واحد نصف صاع كل يوم، ويكون مجموع الثلاثين يومًا خمسة عشر صاعًا، وخمسة عشر صاعًا بنقص صاع يكون قدحًا، وفي هذا التقدير ملاحظة المعروف باعتبار الغالب، لكن لو انكشف أن القدح الواحد لا يكفي لشخص إلى شهر بسبب أنه أكول ألبتة لا يجوز العمل بهذا القدح الذي هو مقدار الغالب؛ إذ في هذا العمل إهمال للكفاية التي أرشد إليها الشارع وفي هذا القدح لا توجد الكفاية. الحاصل أنه لابد من ملاحظة الأمرين في هذه المسألة؛ الأول الكفاية، الثاني كونها بالمعروف، ولما عُلِمَ مقدار الكفاية يكون المرجع في صفات الكفاية إلى المعروف، وهو الغالب في البلدة، وإن لم يُعلم حال شخص في مقدار ما يكفيه، أو حصل الخلاف بينه وبين من تجب عليه نفقته ففي هذه الحالة يعتبر قول من يدعي ما هو المتعارف، مثلاً أن يقول مستحق النفقة لا يكفيني إلا القدحان، ويقول من تجب عليه نفقته يكفيه قدح واحد فقط، فالكلام المعتبر هنا كلام المنفق؛ لأنه يدعي ما هو الغالب في العادة. ولما عُلِمَ حال المُستَحق من النفقة فوجب الرجوع إليه؛ إذ سبق أنه لا يجوز الوقوف على المقدار المعين على طريق القطع والبتّ، والظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك بالمعروف أن هذا الأمر ليس بمختص بمجرد الطعام والشراب، بل هو شامل لجميع ما يحتاج إليه، وفي هذه الحالة الأشياء الزائدة التي تعودتها المرأة بناء على استمرارها عليها حيث إذا فارقتها تكون متضررة، أو متضجرة، أو متكدرة تندرج تحت الحديث المذكور، وهذا أيضًا يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والأدوية ونحوها أيضًا داخلة فيه، وإليه يشير قوله تعالى: وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة 233]، وهذه الآية نص في نوع من أنواع النفقات؛ إذ الواجب على المنفق الرزق المتفق عليه، والرزق يشمل هذه المذكورات كلها، وقال في 'الانتصار': ومذهب الشافعي لا تجب أجرة الحمام، وثمن الأدوية، وأجرة الطبيب؛ لأن ذلك يراد لحفظ البدن، كما لا يجب على المستأجر أجرة إصلاح ما انهدم من الدار، وقال في 'الغيث': الحجة أن الدواء لحفظ الروح فأشبه النفقة، انتهى. يقول الشوكاني: قلت هو الحق لدخوله تحت عموم قوله 'ما يكفيك'، وتحت قوله: رِزْقُهُنَّ ، فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ 'ما'، والثانية عامة؛ لأنها مصدر مضاف، وهي من صيغ العموم، واختصاصه ببعض المستحقين للنفقة لا يمنع من الإلحاق، انتهى. وعُلِم من مجموع ما ذُكر أن الواجب على المنفق لمن يستحق النفقة ذلك القدر الذي يكون كافيًا بالمعروف، وليس المراد به أن أمر النفقة يكون مفوضًا إلى من له النفقة، ويأخذ هو نفقته بنفسه حتى يرد الإشكال بخشية السرف في بعض الأحوال بل المراد تسليم قدر الكفاية على وجه لا يكون فيه سرف، بعد ما تبين مقدار ما يكفي بأخبار المخبرين وتجارب المجربين كما سبق، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم 'بالمعروف'، أي لا بغير المعروف وهو السرف والتقتير. لكن لو وُجد أحد لا يعطي النفقة الواجبة فيحق لنا أن نأذن لمستحق النفقة أن يأخذ مقدار ما يكفي، لو كان من أهل الرشد، ولو لم يكن من أهل الرشد بل من أهل السرف والتبذير فلا يجوز لنا أن نمكّنه من مال المنفق؛ إذ يقول الله تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوالَكُمُ [النساء 5] بل ورد ما يدل على عدم جواز دفع الأموال إلى غير الراشدين، كما في قوله تعالى: فَإِنْ ءانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء 6] فجعل الرشد شرطًا لدفع أموالهم إليهم فضلاً عن دفع أموال الغير إليهم عند عدم الرشد. لكن لو كان المنفق متمردًا، أو المنفَق عليه ليس برشيد لوجب علينا أن نجعل أخذ الأموال بيد الولي لغير الرشيد، أو بيد رجل عادل، وما ورد في بعض التفاسير المراد بالسفهاء في قوله تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوالَكُمُ تمكين المرأة من مال الرجل، فهذا المعنى باعتبار أن أغلب جنس النساء يكون خاليًا من الرشد، وإلا لاشك أن عدم الرشد موجود في غير النساء أيضًا، مثل المجانين، والصبيان، والبُله، والمعتوهين، وكثير من الناشئين في الحلية غير مبين في الخصام، ولاشك أن من النساء من لديها من الرشد والكمال ما لا يوجد عند الرجال، كانت منهن هند بنت عتبة المذكورة في الحديث، وكانت من سروات نساء قريش المشهورات بحسن العقل وكمال الفطنة كما يعرف ذلك من عرف أخبارها ومحاورتها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مبايعته لها، انتهى. الحاصل أنه لا ملازمة بين القول بوجوب الكفاية في النفقة، وبين حضور السرف، بل الأمر كما قدمنا، والله أعلم.