البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
  خدمات الاستشارات الأسرية
     موضوعات الاستشارات
     أرسل استشارتك
     البحث بالتاريخ
     البحث بالمستشار
  الأسرة
  أبحـاث ودراسات
  استشارات أسرية
الصفحة الرئيسة » استشارات أسرية » عرض الاستشارات الأسرية
العرض
1430/02/08
1430/02/08 
صديق حسن خان القنوجي
 الطفل المفرط في الحركة
السؤال من السعودية:
بسم الله الرحمن الرحيم إلى مستشاريين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.. فلدي مشكلة أعاني منها منذ زمن وأريد منكم مساعدتي.

والمشكلة هي أني عصبية، وأريد حلاًّ لهذه المشكلة، خاصة أن لدي طفلاً عمره سنة وخمسة أشهر، فدائمًا أعصب عليه لأنه -الله يهديه- كثير الحركة والطلبات فمنذ أن يستيقظ من النوم يبدأ يجرني من يدي إلى مكان ما أحيانًا يكون يريد شيئًا معقولاً فأعطيه إياه، وأكثر الأحيان يطلب أشياء خطره أو ممنوعة عنه فلا أعطيه إياه فيبكي، وكلما جلست صرخ حتى أمشي وراءه ثم يقف ويدور، فمثلاً يشير على الثلاجة فأفتحها ويقف أمامها ويبدأ يلعب يرمي الخضار ويقلب الأكل، وهكذا فأعصب وأغلق الثلاجة، وكلما جلست صرخ لأقوم وأمشي خلفه حيث يذهب، فكثرة هذا الصراخ "ينفرزني"، فبعد عدة مرات لا أستجيب له فيبكي فأقول له ابكِ لن أقوم خلفك لقد تعبت.

وكل يوم على هذه الحال، على فكرة هو لا يستطيع الكلام بعد، لكنه ما شاء الله عليه يفهم قد تقولون ذلك طبيعي أن يسحبني من يدي تعبيرًا عما يريده، لكنه أمر متعب فهو يستمر هكذا معي حتى ينام، فلا أستطيع أن أخلو بنفسي للقراءة أو المذاكرة لأني طالبة أو الطبخ فهو دائمًا يريدني معه، ألعب معه وأشاهد الفيديو معه دون كتاب، أي لا أستطيع أن أجلس بجانبه وأنا أقرأ وهو يشاهد الفيديو لازم أشاهد معه الفيديو، وهذا كله يتعبني فأشعر أن وقتي كله ضائع لم أستفد منه بشيء، فأقوم من السابعة صباحًا حتى السابعة ليلاً لا أشعر أني أنجزت شيئًا بسبب تعلق ابني بي وصراخه.

أنا أحاول أن ألعب معه وأضحك معه وأشاهد معه الفيديو بعض الوقت مع المرح والضحك، وأحاول أن أخرجه يلعب في الحديقة المجاورة لنا، لكن أشعر أنه يريدني أن أكون معه كل الوقت دون أن يشغلني شيء آخر وهذا صعب علي. وعندما يسمعني زوجي أعصب على ابني يخاصمني ويقول لي ستجعلينه ولد معقد، وإني لا أصلح للتربية، وهذا الذي أنا خائفة منه أن يصبح ولدي معقدًا أو لديه مشاكل نفسية؛ لذلك رأيت أن أراسلكم راجية من الله ثم منكم المساعدة، فأنا دائمًا أطلب منكم المشورة؛ لأني من أشد المعجبين بموقعكم المتميز أعانكم الله على فعل الخير.


راودت خاطري وأنا أقرأ رسالتك بعض أبيات من الشعر لشعرائنا العظماء منها:

الأم مدرسة إذا أعددتها****أعددت شعبًا طيب الأعراق

ومنها:
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على****حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

فيا أختي العزيزة: أنت أم قبل أن تكوني أي شيء آخر، ويجب أن تكوني المدرسة التي يتربى فيها ابنك على الصفات الحسنة والأخلاق الفاضلة، ونحن الآن أمام مستبد صغير نحرص عليه ألا ينشأ معقدًا، ونقع في حيرة بين الأم وعواطفها وبين الطالبة ودراستها، والحل هو بأن نعطي كل ذي حق حقه، مع التأكيد على أن المهمة الأولى للأم هي الوالدية الحانية، ومعنى كلمة الوالدية هي الشعور بالمسؤولية التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: "والزوجة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها".

هل فهمت من كلامي أن عليك التخلي عن دراستك لأجل طفلك؟ أبدًا لا أقصد هذا.. إنما أريدك أن تفهمي أولاً شيئًا مهمًّا وهو أن عليك أن تخففي من عصبيتك، وفي هذا إصلاح نفسك، ومن ثَم إصلاح طفلك؛ لأنك قدوة له، وأول من يقلده الطفل هو أقرب الناس إليه، وليس أقرب منك لطفلك في هذه المرحلة.

في حال قدرتك على تخفيف عصبيتك، فإنك تكونين قد بدأت في فطام نفسك عن هذا الطبع غير المرغوب، ومن ثَم تنتقلين إلى فطام طفلك عنك بكل هدوء وروية.. لكن كيف يتم هذا؟

عليك أولاً أن تنظمي وقتك.. وأنت تقولين إنك طالبة.. ولم يبدِ من رسالتك أنك تتركينه لأحد فكأنك تدرسين من المنزل، أي ما يسمونه في البلد الذي تقيمين به.. ثانوية منازل.. أو دراسة جامعية بالانتساب.. وهذا ما يزيد في تعلقه بك؛ لذلك سأبني حلولي المقترحة على هذا الفرض وهو أنك ووالده المسؤولان عنه بدون وجود خادمة أو مربية أو قريبة أكبر منك سنًّا تساعدك في تربيته، ولا بأس بهذا، فكثيرًا ما يؤدي اختلاف الأسلوب التربوي إلى خلل في شخصية الطفل أو نشوء بعض التناقضات في نفسه.

وتنظيم الوقت يكون بأن تنظمي له وقت نومه، وفي عمره يحتاج الطفل إلى 12 وحتى 14 ساعة نوم تقريبًا، أي بما يعادل زيادة عن نوم البالغ بخمس أو ست ساعات، فهذه الفترة يجب أن تستغليها في دراستك، ولا أظنك بحاجة إلى أكثر من دراسة ست ساعات يوميًّا، بشرط أن يقدر زوجك وضعك، فلا يبدأ بطلباته في الوقت الذي يكف فيها الصغير عن الطلبات بسبب نومه، وإلا فإنني أقول لك من الآن إنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تكملي دراستك إذا لم يكن زوجك مشجعًا لك ومقتنعًا بضرورتها، وأرجو أن يكون كذلك لأن المحنة التي تمر بها أمتنا تتطلب جهد كل فرد رجلاً كان أو امرأة، وما جهاد الدفع إلا هذا.. وفي جهاد الدفع لا يطلب من المرأة أن تأخذ إذن زوجها، بل عليه أن يدفعها دفعًا إلى جهادها.. وإذا لم نفهم هذا فمعنى ذلك أننا متخاذلون.. ولا يحق لنا وضع اللوم على أعدائنا، فنحن من سهّل لهم طريق استباحتنا!

إذن اجعلي صغيرك ينام 12 ساعة متواصلة ليلاً، من الساعة الثامنة مساء إلى الثامنة صباحًا مثلاً، ولديك أنت خمس ساعات هنا لتذاكري بها، وأترك لك حرية اختيار الوقت المناسب هل هو ليلاً بعد نومه أو صباحًا قبل استيقاظه أو تقسمينها ليلاً ونهارًا حسب ما يلائم ظروفك، وفي النهار يجب أن ينام بعد الظهر ساعتين مثلاً، تغتنمينها في المذاكرة؛ وتبقى أمامنا الفترة التي يكون الصغير فيها مستيقظًا فهنا عندك مهام البيت، من طبخ وكنس وغيره، فدعيه يساعدك منذ الآن.. وخاصة إنك تقولين إنه يفهم كل شيء.. حسنًا عندما تقومين بكنس أو مسح الأرضية مثلاً.. أعطيه ما يمسح به الخزانة (الدولاب).

طبعًا لن تعتمدي على النظافة التي يقوم بها طفل بعمر سنة ونصف، لكن المقصود أن تشغليه بأعمال من نفس الأعمال التي تقومين بها.. أحضري له لعبة أدوات المطبخ.. وعلميه كيف يستعمل الآنية للطبخ وصنع القهوة والشاي.. وما إلى ذلك، فحين تقومين بالطبخ.. أجلسيه إلى طاولة المطبخ، وأعطيه هذه الأدوات الصغيرة، واطلبي منه أن يقلي بيضًا، أو يصنع فطيرة، وهكذا تشغلينه عنك بما يسليه، وفي نفس الوقت تشغلين عقله الصغير وقد يصبح طباخًا ماهرًا في المستقبل.. أو كاتبًا رائعًا وذلك إذا خصصت له قلمًا ودفترًا وقصصًا، وفي الوقت الذي تذاكرين فيه أعطيه ما يذاكره هو أيضًا، ولاحظي أنك إذا كنت تقرئين بصوت عالٍ كيف يقلدك ويتصنع أنه يقرأ بصوت عالٍ أيضًا، وإلى الآن ما زلت أذكر كيف أن ابني البكر كان يضع قصصه في حقيبته، وهو بعمر طفلك.. وهو فخور بأن لديه ما يخصه، بينما الأصغر منه لم تكن تستهويه القصص بل الصحف، فيفتح الصحيفة ويضطجع فوقها ويتصنع أنه يقرأ، وكم من مرة التحف بها أو وجدته نائمًا فوقها!.

بالطبع عليك رويدًا رويدًا أن تغيري له هذه العادة فلا تسمحي له بأن يتملكك دائمًا، فيجب أن تعوديه أنه من حقك أن يكون لك بعض الوقت بعيدًا عنه، فلا تلبي طلباته دائمًا.. ولا تلتفتي إلى صراخه حين يريد أي شيء، وإلا فإنه سيكبر وقد كون شرخًا في شخصيته وهو أن الناس لا يلبون ما يريد إلا بالصراخ، فأرجو ألا تساعديه على تبني هذا الأسلوب الخاطئ، فنحن نريد أن يُبنى جيل يؤمن بالحوار وضرورة الأخذ والرد، والشخصية يتم بناؤها منذ الأيام الأولى؛ فعليك أن تشرحي له أن الخضار ليس للرمي، بل هو نعمة من الله سبحانه، وإذا تصرف كذلك فيكون العقاب بالتقطيب والنظرة القاسية وليس برد فعل غاضب من طرفك، وإذا كرر فعله مرة أخرى، فيمكنك أن تضربيه على يده بشكل يلسعه، وإذا بكى فلا تحاولي أن تضميه أو تعتذري منه، ولا تعلقي على أي فعل يأتيه بأي كلمة، بل تجاهلي تصرفاته وبكائه، بدون أن تقولي له ابكِ أو غير ذلك، فقط اخرجي من الغرفة وكأنك لا تسمعين صراخه، وإذا لحق بك وهو يبكي فلا تأبهي له ودعيه يبكي لأنه سيصمت أخيرًا؛ وهو يحاول أن يريك الآن في الحقيقة أنه يثبت شخصيته، ونحن نريد أن يبني شخصيته لكن ليس على حساب شخصيتك.

يجب فعلاً أن يكون زوجك سندًا لك، فينبغي أن تتفقا منذ الآن على أسلوب تربوي واحد، فلا يجوز أن يقطب في وجهه أحدكما بينما الآخر يبتسم له، ولا يصح أن يعزز أحدكما طلبًا له يمنعه عنه الآخر؛ ومن الأشياء التي لا أحبذها شخصيًّا أن يكون الفيديو هو كل تسليته، فلا بد من أن يعمل عقله بأن يكون أكثر من مجرد مستقبل لما يراه يعرض أمامه، ومما يساعد في ذلك التنويع في إمتاعه وإشغال وقته، وهناك ألعاب مناسبة لسنه يمكنه أن يقوم بها لوحده لتنمية مداركه، مثل اللعبة التي تعلمه الفرق بين المستطيل والدائرة والمربع والمثلث والتي لها فتحات عدة مختلفة، أو الفروق بين السيارات الصغيرة والكبيرة مثلاً، أو أن يقوم والده بتركيب لعبة من المكعبات أو البازل أمامه، ثم يشتركان في تركيبها، ثم يدعه لوحده يركبها، وفي هذا أكثر من فائدة أولها إشغاله عنك، وثانيها مشاركة والده في بناء شخصيته، وثالثها تنمية تفكيره الإبداعي.

وهذا في الحقيقة ما أود لفت انتباهك إليه فلا تحاولي أن تقيدي حركته إلا بقدر ما تمنعيه من أذى نفسه، أما غير ذلك فإن لحركة الطفل والتعرف على الأشياء أهمية خاصة في تطوره؛ إذ تتكون نتيجة لهذه الحركات ملايين الارتباطات الدماغية، الأمر الذي يزيد سرعة التفكير ويقوي الذاكرة وينمي القدرة على التعلم. كذلك فإن الأطفال الذين يتحدث إليهم الوالدان بكثرة يطورون مهارات لغوية أفضل من غيرهم، فلا تهملي هذا الجانب.

وأذكر لك أخيرًا ما يعتقده بعض خبراء التربية وعلماء النفس أنه مع إكمال الطفل للسنة الرابعة تكون الأطر الفكرية والارتباطات العقلية له قد تكونت لفرط حساسية الدماغ في هذه الفترة، وأن هامش التغيير والتبديل فيها مستقبلاً يصبح أصعب، مما يجعل لهذه المرحلة العمرية أكبر الأثر على حياة الطفل في المستقبل، فأنت الآن تعدّين ابنك للمستقبل فأحسني هذا الإعداد ما استطعت.

وفقك الله تعالى في دراستك، وحمى ابنك، وأقر به عينك، والسلام عليك.