البحث التفصيلي  |  البحث المتقدم

 
عربي     English     Français     Deutsch     Türkçe     Melayu     Indonesia    
العرض
1431/05/04
1431/05/04 
فريق موقع الإسلام
 عهد حاكم المسلمين للكافرين
حاكم المسلمين لا يصح عهده للكافرين ولا أمانة لهم إلا إذا كان يحكم بكل الشريعة . فإن ترك الحكم ببعض الشريعة وحكم بغير ما أنزل الله فلا يصح عهده ولا أمانه ؛ لأنه كافر فلا تعصم بعهده ولا بأمانة دماء الكافرين.

نلخص الرد على هذه الشبهة من عشرة أوجه :

( الوجه الأول ) : أن العلماء الثقات في هذا العصر اختلفوا في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله فمنهم من قال بأنه لا يكفر إلا إذا استحل ذلك ، كما نص على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله حيث قال : " أما القوانين التي تخالف الشرع فلا يجوز سنها ، فإذا سن قانوناً يتضمن أنه لا حد على الزاني أو حد على السارق أو لا حد على شارب الخمر ، فهذا قانون باطل ، وإذا استحله الوالي كفر لكونه استحل ما يخالف النص والإجماع ، وهكذا كل من استحل ما حرم الله من المحرمات المجمع عليها فهو يكفر بذلك " [1]
وقال في رسالة " حكم من درس القوانين الوضعية أو تولى تدريسها " :
" القسم الثاني : من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها ليحكم بها ، أو ليعين غيره على ذلك ، مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله ، ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك ، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق وفيهم كفر وظلم وفسق لكنه كفر أصغر وظلم أصغر وفسق أصغر لا يخرجون به من دائرة الإسلام ، وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم وهو قول ابن عباس وطاووس وعطاء ومجاهد وجمع من السلف والخلف كما ذكر الحافظ ابن كثير والبغوي والقرطبي وغيرهم ، وذكر معناه العلامة ابن القيم رحمه الله في كتاب " الصلاة " وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله رسالة جيدة في هذه المسألة مطبوعة في المجلد الثالث من مجموعة " الرسائل " [2]
واختار بعضهم كفره ولو لم يستحل ذلك . ( انظر رسالة الشيخ عبدالرحمن المحمود : الحكم بغير ما أنزل الله ) .

وعلى هذا فإننا لو تنزلنا وقلنا بترجيح قول من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله من غير استحلال ، فإن المسألة تبقى مسألة خلاف بين أهل العلم ، كما اختلفوا في تارك الزكاة والصيام والحج .
والقاعدة النبوية التي أصلها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تقرر بأن مسائل الخروج وما يترتب عليها من إبطال العهود والمواثيق لا تكون إلا على كفر لا يختلف فيه المسلمون ، وهو الذي وصفه بقوله " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان " أي حجة واضحة بينة لا يختلف فيها عالم .
أما أن نلزم الناس بالأحكام المترتبة على كفر الحاكم بناء على ترجيحنا للقول بكفره ، فهذا من الضلال المبين .
والحكم على الحكام والأئمة في مسائل الكفر والإيمان المختلف فيها يختلف عن الحكم بها على آحاد الرعية .

( الوجه الثاني ) : أن يقال لا أقل من أن ينزل من حكم بغير ما أنزل الله من الحكام منزلة الخوارج ، من حيث اختلاف العلماء في كفرهم ، وظاهر الأحاديث يدل على كفر الخوارج ، ومع ذلك أمضى العلماء عهود الخوارج وأمانهم وأجازوا دفع الزكاة إليهم إذا غلبوا .
قال ابن عمر : " تدفع ـ أي الزكاة ـ لمن غلب "
ونص على ذلك أحمد رحمه الله
بل إن العلماء نصوا صراحة على صحة صلحهم للكفار وعهدهم .
فقال سحنون : " وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز " [3]
وقال محمد بن الحسن : " وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز كأمان أهل العدل " [4]
وهذا في حق الأمان الذي يكون من آحاد الرعية ، فكيف بالعهد العام للكفار الذي لا يكون إلا من الحاكم ؟!
ولا أعلم أحداً من العلماء أبطل صلح الخوارج لأهل الحرب ، بل ولا صلح من لم يختلف في كفرهم كالعبيديين وكثير من دول الرافضة المارقة كالسامانيين والبويهيين .
ذلك لأن صلح الكافر للكافر جائز .
قال أحد علماء الدعوة النجدية " الدرر 10/338 " : " يصح أمان الكفار بعضهم لبعض ولغيرهم بالكتاب والسنة والاعتبار " .

( الوجه الثالث ) : أننا لو فرضنا كفر الحاكم بغير ما أنزل الله مطلقاً واتفاق العلماء عليه ، لم يكن هذا دليلا على بطلان عهده وأمانه للكفار؛ ذلك لأن الكافر يُعصم دمه بالأمان الصريح الصحيح وبالأمان الفاسد ـ الذي هو شبهة أمان ـ وبالهدنة الصحيحة وبالهدنة الفاسدة تغليباً لحقن الدماء ، ولئلا يترتب عليه الصد عن سبيل الله ، لأن قاعدة الشريعة أن الحدود تدرأ بالشبهات .
والقاعدة في هذا أن كل ما ظنه الكافر أماناً عصم به دمه ولم يستبح لأجل الشبهة .
يدل عليه ما رواه سعيد في سننه عن عمر رضي الله عنه أنه قال : " لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى السماء إلى مشرك فنزل ـ أي ظناً أنه أراد الأمان ـ فقتله لقتلته ".
وقال أحمد : " إذا أشير إليه ـ أي الكافر ـ بشيء غير الأمان فظنه أماناً فهو أمان " [5]
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية : " ولو ظن الكافر أن المسلم أراد الأمان والمسلم لم يرده فلا يقتل " .
وقال شيخ الإسلام : " ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم " [6]
وقال أيضاً : " هذا الكلام الذي كلموه صار به مستأمناً ، وأدنى أحواله أن تكون له شبهة أمان ، ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر ، فإن الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمناً بأقل من هذا كما هو معروف في مواضعه " [7]
وقال السرخسي : " وذلك لما بين أن أمر الأمان شديد والقليل منه يكفي" [8]
ومن شبه الأمان التي تعصم بها دم الكافر : أن يؤمنه كافر بين المسلمين ظنه الكافر المؤمن مسلماً ، أو علمه كافراً إلا أنه ظن أن أمانه يصح ، وعلى هذا نص الأئمة . فقد روى ابن وهب بإسناده كما في المدونة في " باب أمان المرأة والعبد والصبي " أن عمر رضي الله عنه بعث كتاباً إلى سعيد بن عامر وهو يحاصر قيسارية فقال فيه : " وإذا أمنه بعض من تستعينون به على عدوكم أهل الكفر فهو آمن حتى تردوه على مأمنه أو يقيم فيكم ، وإن نهيتم أن يؤمن أحد أحداً فجهل أحد منكم أو نسي أو لم يعلم أو عصى فأمن أحداً فليس لكم عليه سبيل من أجل أنكم نهيتموه فردوه إلى مأمنه إلا أن يقيم فيكم ، ولا تحملوا إساءتكم على الناس فإنما أنتم جند من جنود الله " .

وقال ابن وهب في المدونة : " وقال الليث والأوزاعي في النصراني يغزو مع المسلمين قالا : لا يجوز على المسلمين أمان مشرك ويرد إلى مأمنه " [9]
وقال الشافعي في الأم في باب " الأمان " : " وإذا أمن من دون البالغين والمعتوه قاتلوا أم لم يقاتلوا لم نجز أمانهم ، وكذلك إن أمن ذمي قاتل أم لم يقاتل لم نجز أمانه ، وإن أمن واحد من هؤلاء فخرجوا إلينا فعلينا ردهم إلى مأمنهم ولا نعرض لهم في مال ولا نفس من قبل أنهم ليسوا يفرقون بين من في عسكرنا ممن يجوز أمانه ولا يجوز وننبذ إليهم فنقاتلهم ".
ومن ذلك أيضاً أن يقدموا إلينا في هدنة فاسدة كأن يعقدها غير الإمام ، أو على قول هؤلاء أن يعقدها حاكم كافر ظنه الكفار مسلماً ، فإنه تعصم دماؤهم بهذه الهدنة الفاسدة للشبهة .
قال الفتوحي رحمه الله في المعونة في كتاب الجهاد : " متى جاء الكفار في هدنة فاسدة بأن يتولى عقدها غير إمام أو نحو ذلك من فساد الهدنة معتقدين الأمان ردوا آمنين إلى مأمنهم " [10]
وهذه النصوص وغيرها كثير تدل على عصمة دم الكافر بأمان كافر مثله للشبهة مع كون الكافر المؤمن من عامة الناس ، فكيف إذا كان الذي أمنهم أو صالحهم هو حاكم المسلمين الذي عاهده الكفار على أنه مسلم فبان كافراً ، فلئن تعصم بعهده وأمانة دماء الكافرين ولو بالشبهة من باب أولى ؟!

( الوجه الرابع ) : أن الأمان والعهد إنما عقده الحاكم لمصلحة المسلمين عامة ، فرد أمانه وعهده وإبطاله يترتب عليه الضرر على المسلمين .

( الوجه الخامس ) : أن يقال : إننا لو أبطلنا عهد الحاكم بغير ما أنزل الله ، ولم نعصم به دماء الكافرين ، فإن هذا يستلزم إبطال كل ماباشره الحاكم أو نائبه مما يشترط في مباشرته الإسلام ، كالأنكحة ، وولاية جمع المال وتفريقه ، والقضاء ، وغير ذلك ، إذ لا فرق بين عهده للكافرين وبين سائر عهوده وعقوده ، وهذا يترتب عليه من الفساد ما يكفي تصوره في بطلانه .

( الوجه السادس ) : أن القول ببطلان عهد الحاكم بغير ما أنزل الله ، للكفار ، يستلزم أن يكون الكفار فقهاء محققين لمسألة الحكم بغير ما أنزل الله وأنها كفر ، ثم يعملون تحققها في هذا الحاكم بخصوص ، لئلا يقدموا على الصلح والأمان فيقدموا بعد ذلك إلى بلاد المسلمين ، ثم تستباح دماؤهم وأموالهم ! وهذا بين الفساد والبطلان .

( الوجه السابع ) : أن إبطال عهد وصلح الحاكم بغير ما أنزل الله للكفار واستباحة دمائهم بذلك يستلزم الصد عن سبيل الله ، والتنفير عن الإسلام ، لأنهم يظنون أنهم يعاهدون حاكماً مسلماً ، وأن دماءهم قد عصمت بالعهد ، وكل قتل لهم بعد ذلك يعدونه غدراُ وخيانة ، ولا يتصور منهم أن يقلبوا التفصيل الذي يذكره من يكفر بالحكم بغير ما أنزل الله مطلقاً .

( الوجه الثامن ) : أن العهود التي يعقدها الحاكم بغير ما أنزل الله مع الكفار قد رضي أهل الحل والعقد بها ، وهم وجهاء الناس ومجالس الشورى ونحوها بل وعامة الشعب ، فلم يستقل الحاكم بغير ما أنزل الله بهذه العهود والمواثيق .
كما أن الذين يباشرون تأمينهم من إعطاء الفيزة وختم الدخول هم آحاد المسلمين وهم راضون بتأمينهم ، فكيف تستباح دماؤهم بعد ذلك ؟!

( الوجه التاسع ) : أن إبطال العهود التي يعقدها الحكم بغير ما أنزل الله مع الكفار وكذا أمانه قول باطل ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا قول صاحب ولا نص إمام . وهو قول محدث لا سلف له .

( الوجه العاشر ) : أن نقول إننا لو قدرنا كون من يحكم المسلمين كافراً بما هو أوضح من مسألة كفره بالحكم بغير ما أنزل الله ، كأن يكون يهودياً أو نصرانياً أو عابداً لصنم ونحو ذلك ، فإن هذا لا يقتضي أيضا اعتبار عهده وأمانه منتقضاً ، واستباحة دماء من أمنهم وعاهدهم ، وذلك لأن من يعيش تحت حكومته وولايته من المسلمين يعتبرون مستوطنين ، والمستوطن يلزمه من الحقوق ما لا يلزم المستأمن والمعاهد .
يوضحه : أن المسلم الذي يدخل بلاد الكفار بأمان منهم لا يحل له التعرض لهم بنفس ولا مال بالإجماع ، مع كون الأمان الذي عصم دماءهم وأموالهم مؤقتاَ ، فلأن لا يحل له التعرض لهم ولا لمن في بلادهم وهو مستوطن لها من باب أولى وأحرى ، وذلك من أجل عهد المواطنة الذي أصبح مستوطناً به بلادهم ، وهذا العهد وإن لم يكن مكتوباً باللفظ إلا أنه معلوم بالمعنى ، وهذا لا يستريب فيه من عرف رائحة العلم .
ولا تعارض بين هذا وبين ما ورد من جواز الخروج على الحاكم المرتد أو الكافر إذا كان بالمسلمين قوة كما في الحديث : " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان " ، وذلك أن الخروج على الحاكم حال كفره يعد من باب الجهاد في سبيل الله بعد دعوته وإنذاره ، بخلاف قتل المستوطنين والمعاهدين والمستأمنين ، فإنه من الفساد والفوضى والغدر والخيانة لا من الجهاد والدعوة ؛ لأنه قتلٌ في حالة أمن ونقض للعهد .


المراجع :
1- مجموع فتاوى ومقالات ( 7/119 ) .
2- السابق ( 2/326) .
3- الذخيرة للقرافي
4- السير الكبير / باب النفل من أسلاب الخوارج
5- المعونة " كتاب الجهاد/باب الأمان "
6- الصارم المسلول ( 294 ) .
7- السابق ( 94 ) .
8- شرح السير / باب ما يكون أماناُ ممن يدخل دار الحرب والأسرى وما لا يكون أماناً.
9- باب أمان المرأة والعبد والصبي
10- باب الهدنة