بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ
436 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ

قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ . وَزَادَ غَيْرُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ مَا كَانَ " وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " وَفِي آخِرِهِ " إِلَى قَوْلِهِ الْمُهْتَدِينَ " وَذِكْرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْآيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى مَسَاجِدَ اللَّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَوَاضِعُ السُّجُودِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأَمَاكِنُ الْمُتَّخَذَةُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِعِمَارَتِهَا بُنْيَانُهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِقَامَةُ لِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا .
- ص 645 - قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّ ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَقَامَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَمِيرًا مُدَّةً وَمَعَهُ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ .
قَوْلُهُ : ( انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ ) أَيِ الْخُدْرِيِّ .
قَوْلُهُ : ( فَإِذَا هُوَ ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ " فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا " .
قَوْلُهُ : ( يُصْلِحُهُ ) قَالَ فِي الْجِهَادِ " يَسْقِيَانِهِ " وَالْحَائِطُ الْبُسْتَانُ ، وَهَذَا الْأَخُ زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ أَخُو أَبِي سَعِيدٍ لِأُمِّهِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وُلِدَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَمَاتَ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَلَيْسَ لِأَبِي سَعِيدٍ أَخٌ شَقِيقٌ وَلَا أَخٌ مِنْ أَبِيهِ وَلَا مِنْ أُمِّهِ إِلَّا قَتَادَةَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى اسْمِهِ . وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَحْوِي جَمِيعَهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ أَمَرَ ابْنَهُ بِالْأَخْذِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِ لِطَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ ; لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَكْثَرُ سَمَاعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ مَا كَانَ السَّلَفُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَعَدَمِ التَّكَبُّرِ وَتَعَاهُدِ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالِاعْتِرَافِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ بِفَضْلِهِمْ وَإِكْرَامِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَتَقْدِيمِ حَوَائِجِهِمْ عَلَى حَوَائِجِ أَنْفُسِهِمْ .
قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ) فِيهِ التَّأَهُّبُ لِإِلْقَاءِ الْعِلْمِ وَتَرْكِ التَّحْدِيثِ فِي حَالَةِ الْمِهْنَةِ إِعْظَامًا لِلْحَدِيثِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَتَى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ) أَيِ النَّبَوِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ " حَتَّى إِذَا أَتَى " .
قَوْلُهُ : ( وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي جَامِعِهِ " لَبِنَةً عَنْهُ وَلَبِنَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِكَابِ الْمَشَقَّةِ فِي عَمَلِ الْبِرِّ ، وَتَوْقِيرِ الرَّئِيسِ وَالْقِيَامِ عَنْهُ بِمَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْمَصَالِحِ ، وَفَضْلُ بُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ .
قَوْلُهُ : ( فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْفُضُ ) فِيهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي مَوْضِعِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِاسْتِحْضَارِ ذَلِكَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " فَجَعَلَ يَنْفُضُ " .
قَوْلُهُ : ( التُّرَابَ عَنْهُ ) زَادَ فِي الْجِهَادِ " عَنْ رَأْسِهِ " وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الْعَامِلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ .
قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالِ ( وَيْحَ عَمَّارٍ ) هِيَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ إِذَا أُضِيفَتْ ، فَإِنْ لَمْ تُضَفْ جَازَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ مَعَ التَّنْوِينِ فِيهِمَا .
قَوْلُهُ : ( يَدْعُوهُمْ ) أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَالْمُرَادُ قَتَلَتُهُ كَمَا ثَبَتَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ " تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَخْ " وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ كَانَ قَتْلُهُ بِصِفِّينَ وَهُوَ مَعَ عَلِيٍّ وَالَّذِينَ قَتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الدُّعَاءُ إِلَى النَّارِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي اتِّبَاعِ ظُنُونِهِمْ ، فَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ الدُّعَاءُ إِلَى سَبَبِهَا وَهُوَ طَاعَةُ الْإِمَامِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ عَلِيٍّ وَهُوَ الْإِمَامُ الْوَاجِبُ الطَّاعَةُ إِذْ ذَاكَ ، وَكَانُوا هُمْ يَدْعُونَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ مَعْذُورُونَ لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُمْ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِلْمُهَلَّبِ : إِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا فِي - ص 646 - الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَمَّارًا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَمَاعَةِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ . وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الْخَوَارِجَ إِنَّمَا خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بَعْدَ قَتْلِ عَمَّارٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ لِذَلِكَ ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ أَمْرِ الْخَوَارِجِ كَانَ عَقِبَ التَّحْكِيمِ ، وَكَانَ التَّحْكِيمُ عَقِبَ انْتِهَاءِ الْقِتَالِ بِصِفِّينَ وَكَانَ قَتْلُ عَمَّارٍ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا ، فَكَيْفَ يَبْعَثُهُ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ .
ثَانِيهَا : أَنَّ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ عَمَّارًا إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ ، وَكَانَ فِيهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ كَمَنْ كَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَأَفْضَلُ ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، فَمَا فَرَّ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ وَقَعَ فِي مِثْلِهِ مَعَ زِيَادَةِ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَةَ الْخَوَارِجِ وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ .
ثَالِثُهَا : أَنَّهُ شَرَحَ عَلَى ظَاهِرِ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّاقِصَةِ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَكَرِيمَةَ وَغَيْرِهِمَا وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ الَّتِي بِخَطِّهِ زِيَادَةٌ تُوَضِّحُ الْمُرَادَ وَتُفْصِحُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى قَتَلَتِهِ وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَلَفْظُهُ " وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ
" الْحَدِيثَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ وَقَالَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا أَصْلًا ، وَكَذَا قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَلَعَلَّهَا لَمْ تَقَعْ لِلْبُخَارِيِّ ، أَوْ وَقَعَتْ فَحَذَفَهَا عَمْدًا . قَالَ : وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَالْبَرْقَانِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قُلْتُ : وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَذَفَهَا عَمْدًا وَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ خَفِيَّةٍ ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدْرَجَةٌ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي بَيَّنَتْ ذَلِكَ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَحَمْلِهُمْ لَبِنَةً لَبِنَةً وَفِيهِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ " فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ
" ا هـ . وَابْنُ سُمَيَّةَ هُوَ عَمَّارٌ وَسُمَيَّةُ اسْمُ أُمِّهِ .
وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ عَيَّنَ أَبُو سَعِيدٍ مَنْ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ ، فَفِي مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ " حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ ، فَذَكَرَهُ " فَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو سَعِيدٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ غَيْرِهِ ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى دِقَّةِ فَهْمِهِ وَتَبَحُّرِهِ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى عِلَلِ الْأَحَادِيثِ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ أَيْضًا لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَهِيَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَهِيَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " يَا عَمَّارُ أَلَا تَحْمِلُ كَمَا يَحْمِلُ أَصْحَابُكَ ؟ قَالَ : إِنِّي أُرِيدُ مِنَ اللَّهِ الْأَجْرَ " وَقَدْ تَقَدَّمَتْ زِيَادَةُ مَعْمَرٍ فِيهِ أَيْضًا .
( فَائِدَةٌ ) : رَوَى حَدِيثَ " تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ "
جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةٍ : مِنْهُمْ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَأَبُو رَافِعٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَبُو الْيُسْرِ وَعَمَّارٌ نَفْسُهُ ، وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَغَالِبُ طُرُقِهَا صَحِيحَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ ، وَفِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ يَطُولُ عَدُّهُمْ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَلِيٍّ وَلِعَمَّارٍ وَرَدٌّ عَلَى النَّوَاصِبِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا فِي حُرُوبِهِ . قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ( يَقُولُ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْفِتَنِ ، وَلَوْ عَلِمَ الْمَرْءُ أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ فِيهَا بِالْحَقِّ ; لِأَنَّهَا قَدْ تُفْضِي إِلَى وُقُوعِ مَا لَا يَرَى وُقُوعَهُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ - ص 647 - وَفِيهِ رَدٌّ لِلْحَدِيثِ الشَّائِعِ : لَا تَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ فَإِنَّ فِيهَا حَصَادُ الْمُنَافِقِينَ . قُلْتُ : وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ وَهْبٍ قَدِيمًا عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّهُ بَاطِلٌ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا وَمَا يَنْبَغِي مِنَ الْعَمَلِ عِنْدَ وُقُوعِهَا . أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ